Skip to content

فيض الباري على صحيح البخاري ٨ - باب قصة يأجوج ومأجوج

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Printed page ٤/ ٣٥٨

حالَ أعمِّهم وأخصِّهم، وذلك لسؤالهم عن ذي القرنين، لا عن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقط. فَذَكَرَ أوَّلًا من سُدَّ عليهم منهم، ثم عمَّم في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وهو إذن للاستمرار التجدديِّ، حتَّى يَتَّصِلَ خروجهم المخصوص بنزول عيسى ﵇، فَوَقَعَ هنا في القرآن أعمُّ مما في الحديث. وكذا في قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَذَكَرَ كلَّ حَدَبٍ، ولا بُدَّ من ذلك إن ثَبَتَ أن الأورباويين منهم، وأن لهم خزجات. أو ذَكَرَ في القرآٌّ من سُدَّ عليهم فقط، لكن لم يَذْكُرْ أنه لا يَنْدَكُّ، ويكون خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، حتى يكونَ خروجُهم المرادُ عند نزوله ﵇.

وقد بُدِيء باندكاكه في زمانه ﷺ حيث قال: «ويلٌ للعرب، من شرَ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مثل هذه» وهؤلاء الذين خَرَجُوا كذلك، أي من غير سدَ لا يُقَالُ: إنهم خَرَجُوا عليه، لأنَّهم نصارى نحلةً وانتماءً، وبقي بعضُ هؤلاء، أصلًا وشعبًا ليسوا نصارى، سَيَخْرُجُون عليه في آخر الزمان. وذَكَرَ في كتاب حزقيل خروجَهم على بني إسرائيل. ففي «روح المعاني»: وفي كتاب حزقيال ﵇ الأخبارُ بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجِرْبِياء، في أممٍ كثيرةٍ لا يُحْصِيهم إلَاّ اللَّهُ تعالى، وإفسادُهم في الأرض، وقصدُهم بيت المَقْدِسِ، وهلاكُهم عن آخرهم بِرُمَّتِهِمْ بأنواعٍ من العذاب. اهـ.

وذُكِرَ في الأحاديث النبوية توجُّهُهُم إلى الشام، فليس الخروج عليه متَّصلًا بالاندكاك، وإنما المتَّصلُ به خروجُهم على الناس، وهو كذلك في بعض الألفاظ، كما في «الكنز». وقد تأتي أحاديثُ أشراط الساعة بالتقاط أشراطها من البين، وترك ما بينها، فلهم خروجٌ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وليس القرآنُ العزيزُ نصًّا في أن السدِّ مَنَعَهُم من كلِّ جهةٍ، ولا أن عدمَ خروجهم في الأزمنة الآتية لعدم الاندكاك فقط، فإن ذلك إذ ذاك - أي عند بنائه - ودَهْرًا بعده. وأمَّا بعد ذلك، فلهم عِدَّةُ خروجٍ، ففيه ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ الآية، فلم يَقُلْ: حتَّى إذا فُتِحَ الرَدْمُ، والمراد تلك النَّوْبَة من الخروج.

وبنبغي أن يُعْلَمَ أن قولَ ذي القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] قولٌ من جانبه، لا قرينةٌ على جَعْلِهِ من أشراط الساعة. ولعلَّه لا عِلْمَ له بذلك، وإنما أَرَادَ وعدَ اندكاكه. فإذن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ للاستمرار التجدديِّ. نعم قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ هو من أشراطِ الساعة، لكن ليس فيه للرَّدْمِ ذِكْرٌ، فاعلم الفرق.

واعلم أيضًا أن السَّدَّ الذي رآه صحابيٌّ، كما في «الفتح»، و «والدر المنثور»،