فيض الباري على صحيح البخاري
أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ، إِلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَاّ بَعْدَ الْجُمُعَةَ. أطرافه ٩٣٨، ٩٣٩، ٩٤١، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - تحفة ٤٧٨٤
٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ. وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَإِنَّ إِخْوَتِى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِى مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِى حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا «لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِى هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِى شَيْئًا أَبَدًا». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَىَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِىُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِى، فَوَالَّذِى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِى هَذَا، وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِى كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] أطرافه ١١٨، ١١٩، ٢٠٤٧، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - تحفة ١٣٩٥٧
٢٣٤٩ - قوله: (كُنَّا نَغْرِسُهُ في أَرْبِعَائِنَا) ... إلخ، وهذه الأَرْبَعاء كانت تُسْقَى من بئر بُضَاعة، كما يجيء التصريحُ به في البخاريِّ. وهذا هو مراد الطحاويِّ من كونها جاريةً، أي أنها كانت تُسْتَقَى منها الزروع كل وقتٍ، فلم تكن النجاسةُ تَسْتَقِرُّ فيها. فإن كان أبو داود زَرَعَها، وذلك أيضًا بعد مُدَّة مديدةٍ، ثم لم يَجِدْها عشرًا في عشرٍ، فلا بَأْسَ به، فإنه كان في عهد النبوة بحيث تُسْتَقَى منه المَحَاقل (كهيتيان)، والمزارع. ويكفي هذا القدرُ لإِثبات الجريان، فهو الجريانُ حقيقةً، لا بمعنى كونه عشرًا في عشرٍ. ومن لم يتنبَّهْ على مراد الطحاويِّ، طَعَنَ عليه، وقد بيَّنا لك حقيقةَ الحال.
٢٣٥٠ - قوله: (فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شيئًا أَبَدًا) ... إلخ، ولَيُحْفَظْ هذا اللفظُ، فإنه صريحٌ في أن بركةَ دعاء النبيِّ ﷺ لم تَكُنْ مختصةً بحفظ مقالةٍ دون مقالةٍ، بل كانت عامَّةً لكلِّ ما يسمع أبو هريرة من مقالته، وهذا الذي يَلِيقُ بالإِعجاز، والبركة. وأمَّا قَصْرُهَا على المقالة التي في ذلك المَجْلِسِ فقط، فلا يَعْلَقُ بالقلب، كما يُوهِمُه بعض الألفاظ، فهو قصورٌ من الرواة (١).
...