Skip to content

فيض الباري على صحيح البخاري ٥٩ - باب بيع المزايدة

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Printed page ٣/ ٤٤٤

عن جابر قال: «أَعْتَقَ رجلٌ من بني عُذْرَة عبدًا له عن دُبُرٍ» اهـ. وظاهرهُ أنه كان مُدَبَّرًا مطلقًا. فالجواب: أن بَيْعَهُ لم يكن على أن بيعَ المُدَبَّر جائزٌ في الشرع، بل لأن الرجل لم يكن له مالٌ غيره، فلما دبَّره عزَّره النبيُّ ﷺ بذلك، كما في النَّسائي: «فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: أَلَكَ مالٌ غَيْرُهُ؟ قال: لا، فقال رسولُ الله ﷺ من يَشْتَرِيه». اهـ.

قال السِّنْدِي في «حاشيتهِ» فيه: إن السفيهَ يُحْجَرُ، ويُرَدُّ عليه تصرُّفه. ولعلَّ البخاريَّ أيضًا ذهب إليه، فترجم: باب من رَدَّ أمر السفيه والضعيف العقل ... إلخ، ثم أخرج تحته حديث الباب. فعُلِمَ أنه جعله من باب الحَجْر، وإلغاء تصرُّف التدبير. لكن تراجمَه تَتَهَافَتُ على هذا التقدير، فلا يُدْرَى أنه حكم بالمجموع، أو أن هذا جائزٌ، وذلك أيضًا جائزٌ. لأن ولايةَ الشارع فوق ولاية سائر الولاة، فتصرُّفاتُه أيضًا تكون فوق تصرُّفاتهم، فيجوز له ما لا يجوز لغيره، فأمثالَ تلك التصرُّفات تختصُّ به ﷺ.

ونظيرُه ما أخرجه أبو داود في باب من قتل عبده ... إلخ، قال: «جاء رجلٌ مُسْتَصْرِخٌ بالنبيِّ ﷺ فقال: جاريةٌ له يا رسول الله، فقال: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ فقال: شرٌ، أَبْصَرَ لسيده جاريةً له، فغار، فَجَبَّ مذاكيره، فقال رسول الله ﷺ عليّ بالرَّجُلِ، فَطُلِبَ، فلم يُقْدَرْ عليه، فقال رسول الله ﷺ فأنت حرٌّ، فقال: يا رسول الله على من نُصْرَتي؟ فقال: على كُلِّ مُسْلمٍ، أو قال: على كلِّ مُؤْمِنٍ». اهـ.

فإِعتاقُ عبد الغير ليس بأدون من إبطال تدبيره، فإذا جَازَ له أن يَعْتِقَ عبدًا لغيره، جَازَ له أن يَبِيعَ مُدَبَّرًا لغيره أيضًا، ولا يكون ذلك لأحدٍ بعده، لقوة ولايته وعموم تصرُّفاته على الإِطلاق. أَلا ترى أن أحدًا لو فَعَلَهُ اليومَ بعبده، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتِقَ عبده؟ ولكن المسألةَ فيه: أن الجروحَ قِصَاصٌ، فإِذن هو من باب التَّعْزِيرِ، وحَجْر التصرُّف. وأجاب العيني: أن النبيَّ ﷺ لم يَبِعْهُ، ولكنه استأجره، البيعُ بمعنى الإِجارة في لغة المدينة. ويَشْهَدُ له ما عند الدَّارَقُطْنيِّ (١)، عن