Printed page ٣/ ٦٧
هذا الحديث ينبغي أن يراعيها الباحِثُ أيضًا. وبحث عليها الحافِظُ ابن القيم رحمه الله تعالى في «شفاء العليل» على نحو ثماني وريقاتٍ، وجزم بأن المرادَ مِن الفطرة الإِسلامُ. وادَّعَى أنه
Footnotes are the editor's words, not the author's.
= أتيك بكلامه بدون زيادةٍ ولا نقصان. قال عن ابن شهاب: أَنَّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن أخبره أن أبا هريرة قال: "ما مِن مولودٍ يولَدُ على الفطرة"، ثم يقول: اقرؤوا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. ثم أخرج عن الحسن قال: أنبأ الأسودُ بن سَريع قال: كنَّا في غزاة لنا، فأصَبنا وقَتَلنا من المشركين حتى بلغ بهم القَتل إلى أن قتلوا الذرِّيةَ. فقال رسولُ الله ﷺ: "ألا لا يقتلن ذرية ألا لا يقتلن ذرية". قيل: لم يا رسولَ الله؟ أليسوا أولادَ المشركين. قال: "أوليس خياركم أولاد المشركين"؟. ثم أَخرج عن الحسن عن الأسود عن رسول الله ﷺ قال: "كل نسمةٍ تُولَدُ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصِّرانها". قال أبو جعفر: فتأمَّلنا ما قيل في تأويل هذا الحديث فوجدنا عليَّ بن عبد العزيز قد أجاز لنا عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام، قال: سألت محمدَ بن الحسن عن تَفسِيره يعني حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول هذا الباب - فقالَ: كان ذلك في أوَّلَ الإِسلام قبل أن تَنزل الفرائض. وقبل أن يُؤمر المسلمون بالجهاد. قال أبو عبيد: كأنَّه يذهبُ إلى أنه لو كان يولَدُ على الفِطْرة، ثُم مات قبل أن يُهَوِّداه أَبواه وينصِّراه ما ورثاه، لأنَّه مسلمٌ وهما كافران. ولما جاز مع ذلك أن يسبي، فلما نزلت آيات الفرائضِ وجرت السنن بخلافِ ذلك، دل على أنَّه مولودٌ على دِينِهما. قال أبو عبيد: وأما عبدُ الله بن المبارك فبلغني أنه سُئل عن تأويله. فقال: تأويله الحديثُ الآخَر: أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن أطفال المشركينَ، فقال: "الله أَعلم بما كانوا عاملين". يذهبُ إلى أنهم يولدون إلى ما يصيرون إليه من إِسلام أو كفر فَمن كان في عِلم الله ﷿ أنه يصير مسلمًا فإِنَّه يُولد على الفِطرة. ومَن كان عِلْمُه فيه أنه يصير كافرًا يموت كافرًا. قال أبو عبيد: فأحدُ التفسيرين قريبٌ من الآخَر. قال أبو جعفر: فتأملنا ما ذكرناه عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى مما جنح إليه أبو عبيد، فوجدنا في حديث الأسود أنه كان في غزواتِ رسول الله ﷺ التي هي الجهاد. ثم لما اختلفوا في معنى هذا الحديث على قد ما ذكرنا، وقالوا في تأويله ما قد وصفنا بعد أَن جعلنا كله حديثًا واحدًا، وأثبتنا فيه قوله ﷺ، فما يزال عليها حتى يُعرِب عنه لِسَانه، اعتبرنا ما جاء في ذِكر الفِطرة فِي كتاب الله ﷿، فوجدنا اللهَ ﷿ قد قال في كتابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. أي خالق السموات والأرض. قال: وكذلك حدثنا ولاد النحوي عن المصادري، عن أبي عبيد وقال ﷿: فيه ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي خلقني وقال ﷿: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أي ملة اللهِ التي خلق الناس عليها قال: وكذلك أيضًا: حدثنا ولاد النحوي عن المصادري، عن أبي عبيد في أشياء. من هذا المَعنى. وكانت الفِطْرَة فِطرَتَين: فطرة يرادُ بها الخِلقة التي لا تعبد معها التعبد المستحَق بِفِعله الثواب. والمستوجَبِ بِتَركِه العقابَ. فكان قوله ﷺ: "كل مولود يُولد على الفِطْرة"، يريدُ الفِطرة المتعبد أهلها المثابون والمعاقبون. فكان أهلها الذين هم كذلك ما كانوا غير بالغين مما خُلِق للعبادة كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإن كانوا قبل بلوغهم مرفوعًا عنهم الثواب والعقاب، غير أنهم إذا عبرت عنهم ألسنتهم بشيء من إِيمان أو من كُفْر كانوا من أهله، وإِن كانوا غيرَ مثابين على محموده وغيرَ معاقبين على مذمومه، كما قال ﷺ: "فما تزال عليها حتى يُعرِبَ عنها لسانُها" ولذلك قَبِل ﷺ إسلامَ مَنْ لم يبلغ وأَدخله في جملة المسلمين. وفي ذلك ما يُوجب خروجَ مَن كان من المسلمين بالردَّة في تلك الحال من الإِسلام حتى يستحق بذلك المَنع من أبويه المسلمين. وقال ﷺ: "فأَبواه يهودانِه، أو ينصِّرانِه، اْو يشركانه". أي بتهويدهما أو تنصيرهما، أو تشريكهما، فيكون سببًا إن كان أبواه حُرَّين، ومأخوذًا بعد بلوغه عاقلًا بالجزية إِن كان أبواه ذمِّيين. فهذا عندنا تأويل ما قد ذكرنا. والله ﷾ نسأله التوفيق. اهـ.