Printed page ٣/ ٦٤
هذه قسمةُ لم يُرَد بها وَجْهُ اللَّهِ - والعياذ باللَّه - ولما قال عمرُ ﵁: دَعْني أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق. قال: «لَعلَّه يخرجُ من ضِئضِىءِ هذا رجالٌ يقرأونَ القرآن لا يجاوِزُ حناجِرَهم». فلم يقتله، والسِّرُّ فيه أنَّ النبيَّ ﷺ إذ يخبرهم بأمر بنفسه يناسِب له أن يراعيه، فإِنه إِذا أخبرَ أن عيسى ﵇ يَقْتُلُ الدجَّال (١) يناسِب له أَن لا يتولى قَتْلَه بنفسه، وإِذا أخبر أنه يخرج منه قومٌ كذا، ناسب له أن لا يستبيحَ بَيْضَتَهُم. فهذا عملٌ بالتكوين وذا لا يناسبِ إِلا للنبيِّ خاصَّةً.
قوله: (آمَنْتُ باللَّهِ ... ) إلخ. وإِنَّما لم يتوجه لجوابه صراحةً تصغيرًا لأَمْرِه، وتَوجَّه إلى ما يليقُ بِشَأنِه على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢].
قوله: (يَأتيني صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ... ) إلخ. وهذا هو شَأنُ الكُهان.
Footnotes are the editor's words, not the author's.
(١) وهناك خبرٌ غريبٌ أخرجه الحافظ العيني في "شَرْح البخاري" قال في ذَيْل كلامه على وحدة الدجَّال المعهود وابن صَيَّاد: والثاني: مما يستنبط منه ومن غيره من الأَحاديث الواردة في هذا الباب هو: أَن ابن صَياد إذا كان هو الدجال كيف كان حاله حتى بقي إلى وقت خروجه في آخر الزمان؟ قال صاحب "زهرة الرياض": رأيت في "أمالي" القاضي الإمام أبي بكر محمد بن علي بن الفَضل الورنجري بإِسناده عن أبي هريرة قال: "بينا رسول اللهِ ﷺ يصَلي صلاةَ الدَاةِ -هكذا في الأصل، ولعل الصواب: الغداة- فلمَّا سَلم استقبَل أَصحابَه بِوَجهِه يحدِّثُهم إذ أقبلَت صيحةٌ شديدةٌ بناحيةِ اليهود، وما سمِعنا صيحة أشد منها، فأرسل رجلًا ليأتينا بالخبر. قال: فما مكث حتى رجع وقد تغير لونه، فقال: يا رسول الله أَما عَلِمت أن البارحةَ ولِد ولدٌ في اليهود، وأنه غَضِب وتَزَبد حتى امتلأ البيت منه. وقد ضَم أمه مع سريرها إلى زاوية البيت، ورَفَع السقف على حيطانها، وهم يخافونه. فاسترجع النبي ﷺ ثم قال: "أخاف أنه دجالٌ"، فلما مضت سبعة أيام قال النبي ﷺ لأصَحابه: أَلا تمضون بنا إلى هذا المولود. فإذا الدجال على رأسِ نخلةٍ يلتقط رُطبا ويأكله، وله همهمةٌ شديدةٌ وأمه جالسةٌ في أَصل النخلة، فلما رأتِ النبي ﷺ نادته: يا ابن الصائد، هذا محمدٌ قد أقبل. قال: فسكَت وترك الهمهمة. قال: فرجع النبي ﷺ ونزل الدجَّال من النخلة، واتبع النبي ﷺ وقال النبي ﷺ لأَصحابه: اسمعوا إلى مقالته وأنا أَسأله. ثم قال: "أَتشهد أني نبيٌّ"؟ وقال له الدجال: آَتشهد أَني نبي؟ ثم رجع النبي ﷺ مع أَصحابه. قال: فقامَ عمر ﵁ فضرب بالسيفِ على هامتِه، فنبا السيف كأنه قد ضُرب على حَجَر. ثم رجع السيف فشج رأس عمر. قال: فوقع عمر صريعًا جريحًا يسيل الدم من رأسه. قال: وقام الدجال على رأسه يسخر به ويستهزىء به حتى ورد الخبر إلى رسولِ الله ﷺ، فقامَ النبي ﷺ مسرعًا حزينًا حتى أَتى إلى عمرَ ﵁. فقال: "ما الذي دعاك إلى هذا"؟ فأخبره بما جرى فقال النبي ﷺ: يا عمرُ إِنك لن تستطيع أن ترد قضاء الله تعالى. قال: فوضع النبي ﷺ يدَه المباركةَ على رأسِ عمرَ ﵁ فدعا اللهَ فالتحمَ الجُرْحُ بإذن الله تعالى. وقال عمر: يا رسولَ الله وَددت أن يرفعه الله تعالى فقال النبي ﷺ: "أتحِب ذلك"؟ قال: نعم. قال: "اللهم افعل" فنزل جبريلُ ﵊ في قطعة مِن الغمام كشِبه التُّرس، فنزل على رأس الدجال وهو جالِسٌ في وسط اليهود فأخذ بناصيتِه وجَذَبه عن ظهر الأَرض وأُمه وأَبوه وقومه ينظرون إليه ويبكون عليه، فرفعه جبرائيلُ ﵊ فألقاه إلى جزيرة في البحر إلى قومِ تميم الدَّاري إلى رسول الله ﷺ، وأخبره بخبرِهِ. وأخرج مسلمٌ حديثا طويلًا عن فاطمةَ بنتِ قَيس وكانت من المهاجرات الأول، وَفيه: أن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا فبايع وأسلم. وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجَّال: حدثني أنه ركِب في سفينةٍ بحريةٍ مع ثلاثين رَجلًا من لَخم وجُذَام، فلَعِب بهم الموج شهرًا في البحر، ثُم ارموا إلى جزيرةٍ في البحر الحديث. وفيه خبرُ الدجال ودابة الجساسة. وقال البيهقي: مَنْ ذهب إلى أن ابن الصيَّاد غير الدجال احتج بحديثِ تميمٍ الدَّاري في قصة الجاسّة، "عمدة القاري". ↩︎