Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة غافر (٤٠) : آية ٢٠]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢٤/ ١١٨

الِاخْتِصَاصِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ. فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ التَّذْكِيرُ بِعَجْزِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْإِلَهِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ فِي إِثْبَاتِ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ ثُمَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِإِظْهَارِ نَقِيضِهِ فِيمَا يُعَدُّ مُسَاوِيًا لَهُ كَمَا فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شيبا بِمَاء فَصَارَ فِيمَا بَعْدُ أَبْوَالًا

وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ، مُنَاسَبَةً.

وَالدُّعَاءُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النِّدَاءِ وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.

وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ مُقَرِّرَةٌ لِجُمَلِ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غَافِر: ١٩، ٢٠] . فتوسيط ضَمِيرِ الْفَصْلِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَيْهَا الْإِلَهِيَّةَ، وَإِثَبَاتُ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلَّهِ تَعَالَى يُقَرِّرُ مَعْنَى يَقْضِي بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ حِكْمَتُهُ بِإِرَادَةِ الْبَاطِل وَلَا تخطىء أَحْكَامُهُ بِالْعِثَارِ فِي الْبَاطِلِ. وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ

التَّأْكِيدِ تَحْقِيقٌ لِلْقَصْرِ. وَقَدْ ذَكَرَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي «شَرْحِ الْمِفْتَاحِ» فِي مَبْحَثِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ أَنَّ الْقَصْرَ يُؤَكِّدُ.

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَهُشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ تَدْعُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ عَلَى الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغِيبَةِ إِلَى الْخِطَابِ لِقَرْعِ أَسْمَاعِ الْمُشْرِكِينَ بِذَلِكَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ على الظَّاهِر.