Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الزمر (٣٩) : آية ٦٧]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢٤/ ٦١

الْخَاسِرُونَ، وَانْتَقَلَ الْكَلَامُ هُنَا إِلَى عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ الْأُخْرَوِيِّ الْأَبَدِيِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَلَكُوتِ الدُّنْيَا قَدْ خَسِرُوا بِتَرْكِ النَّظَرِ، فَلَوِ اطَّلَعُوا عَلَى عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ لَقَدَّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةً جُمْلَةَ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى جُمْلَةِ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٣] وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ إِلَخْ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، اقْتَضَاهَا التَّنَاسُبُ مَعَ جُمْلَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [الزمر: ٦٣] .

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَجُمْلَةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ كِلْتَاهُمَا مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى جُمْلَةِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] . وَالْمَعْنَى: هُوَ هُوَ، إِلَّا أَنَّ الْحَالَ أَوْضَحُ إِفْصَاحًا عَنْهُ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ عَطْفَ غَرَضٍ عَلَى غَرَضٍ انْتَقَلَ بِهِ إِلَى وَصْفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَحْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ فِيهِ، وَجُمْلَةُ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اعْتِرَاضًا، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْجَاهِلِ بِعَظَمَةِ شَيْءٍ بِحَالِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ مِقْدَارَ صُبْرَةٍ فَنَقَصَهَا عَنْ مِقْدَارِهَا، فَصَارَ مَعْنَى مَا قَدَرُوا اللَّهَ: مَا عَرَفُوا عَظَمَتَهُ حَيْثُ لَمْ يُنَزِّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنَ الشَّرِيكِ فِي إِلَهِيَّتِهِ.

وحَقَّ قَدْرِهِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ مَا قَدَرُوا اللَّهَ قَدْرَهُ الْحَقَّ، فَانْتَصَبَ حَقَّ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.

وَجَمِيعٌ: أَصْلُهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِثْلَ قَتِيلٍ، قَالَ لَبِيدٌ:

عَرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الْجَمِيعُ فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثِمَامُهَا

وَبِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ تَوْكِيدًا مِثْلَ (كُلٍّ) وَ (أَجْمَعَ) قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِي سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ [٦] . وَقَدْ وَقَعَ جَمِيعاً هُنَا حَالًا مِنَ الْأَرْضُ وَاسْمُ الْأَرْضُ مُؤَنَّثٌ فَكَانَ تَجْرِيدُ (جَمِيعٍ) مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ جَرْيَا عَلَى الْوَجْهِ الْغَالِبِ فِي جَرَيَانِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ عَلَى مَوْصُوفِهِ، وَقَدْ تَلْحَقُهُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: