Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير ٣٢- سورة السجدة

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٢١/ ٢٠٢

بَيْنِ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِ الم، فَلِذَلِكَ فَمَنْ سَمَّاهَا سُورَةَ السَّجْدَةِ عَنَى تَقْدِيرَ مُضَافٍ أَيْ سُورَةُ الم السَّجْدَةِ. وَمَنْ سَمَّاهَا تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ «الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ» بِجَعْلِ

الم تَنْزِيلُ اسْمًا مُرَكَّبًا ثُمَّ إِضَافَتِهِ إِلَى السَّجْدَةِ، أَيْ ذَاتِ السَّجْدَةِ، لِزِيَادَةِ التَّمْيِيزِ وَالْإِيضَاحِ، وَإِلَّا فَإِنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ تَنْزِيلُ كَافٍ فِي تَمْيِيزِهَا عَمَّا عَدَاهَا مِنْ ذَوَاتِ الم ثُمَّ اخْتَصَرَ بِحَذْفِ الم وَإِبْقَاءِ تَنْزِيلُ، وَأُضِيفَ تَنْزِيلُ إِلَى السَّجْدَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي تَوْجِيهِ تَسْمِيَتِهَا الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ.

وَمَنْ سَمَّاهَا الم السَّجْدَةِ فَهُوَ عَلَى إِضَافَةِ الم إِلَى السَّجْدَةِ إِضَافَةً عَلَى مَعْنَى اللَّامِ وَجَعْلِ الم اسْمًا لِلسُّورَةِ. وَمَنْ سَمَّوْهَا الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِهَا فِي «شُرُوحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَلَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ «الْجَامِعِ الصَّحِيحِ» ، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الم مُضَافًا إِلَى تَنْزِيلُ عَلَى أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ اسْمٌ لِهَذِهِ السُّورَةِ مَحْكِيٌّ لَفْظُهُ، فَتَكُونُ كَلِمَةُ تَنْزِيلُ مَضْمُومَةً عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِهَا الْقُرْآنِيِّ، وَأَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا الْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ اعْتِبَارَ الْعَلَمِ مِثْلُ: عَبْدِ اللَّهِ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ الْإِضَافِيِّ مُضَافًا إِلَى السَّجْدَةِ إِضَافَةَ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ مَوْجُودٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَأَبَّطَ شَرًّا:

إِنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَقَاصِدٌ ... بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مَالِكٍ

إِذْ أَضَافَ مَجْمُوعَ (ابْنِ عَمِّ) إِلَى (الصِّدْقِ) ، وَلَمْ يُرِدْ إِضَافَةَ عَمِّ إِلَى الصِّدْقِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَحَدِ الطَّائِيِّينَ فِي «دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ» :

دَاوِ ابْنَ عَمِّ السُّوءِ بِالنَّأْيِ وَالْغِنَى ... كَفَى بِالْغِنَى وَالنَّأْيِ عَنْهُ مُدَاوِيَا

فَإِنَّهُ مَا أَرَادَ وَصْفَ عَمِّهِ بِالسُّوءِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ وَصْفَ ابْنِ عَمِّهِ بِالسُّوءِ. فَأَضَافَ مَجْمُوعَ ابْنِ عَمٍّ إِلَى السُّوءِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ رَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ فِي «دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ» :

هَنِيئًا لِابْنِ عَمِّ السُّوءِ أَنِّي ... مُجَاوِرَةٌ بَنِي ثُعَلٍ لَبُونِي

وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ فِي «الْحَمَاسَةِ» :