Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٦]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٨-ب/ ١٧٧

ورَحْمَةِ اللَّهِ: إحسانه وإيتاؤه الْخَبَر.

وَالْقُرْبُ حَقِيقَتُهُ دُنُوُّ الْمَكَانِ وَتَجَاوُرُهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الرَّجَاءِ مَجَازًا يُقَالُ: هَذَا قَرِيبٌ، أَيْ مُمْكِنٌ مَرْجُوٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [المعارج: ٦، ٧] فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْحَشْرَ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَالْقَرِيبُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْجُوِّ الْحُصُولِ وَلَيْسَ بِقُرْبِ مَكَانٍ. وَدَلَّ قَوْلُهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى مُقَدَّرٍ فِي الْكَلَامِ، أَيْ وَأَحْسِنُوا لِأَنَّهُمْ إِذَا دعوا خوفًا وطعما فَقَدْ تَهَيَّأُوا لِنَبْذِ مَا يُوجِبُ الْخَوْفَ، وَاكْتِسَابِ مَا يُوجِبُ الطَّمَعَ، لِئَلَّا يَكُونَ الْخَوْفُ وَالطَّمَعُ كَاذِبِينَ، لِأَنَّ مَنْ خَافَ لَا يُقْدِمُ عَلَى الْمَخُوفِ، وَمَنْ طَمَعَ لَا يَتْرُكُ طَلَبَ الْمَطْمُوعِ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالْإِحْسَانِ فِي الْعَمَلِ وَيَلْزَمُ مِنَ الْإِحْسَانِ تَرْكُ السَّيِّئَاتِ، فَلَا جَرَمَ تَكُونُ رَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ ضِدِّ الْمُحْسِنِينَ رِفْقًا بِالْمُؤْمِنِينَ وَتَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ لَا يَظُنُّ بِهِمْ أَنْ يُسِيئُوا فَتَبْعُدُ الرَّحْمَةُ عَنْهُمْ.

وَعَدَمُ لِحَاقِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ لِوَصْفِ قَرِيبٌ مَعَ أَنَّ مَوْصُوفَهُ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وَجَّهَهُ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَة، وَأَشَارَ إِلَيْهَا فِي «الْكَشَّافِ» .

وَجُلُّهَا يَحُومُ حَوْلَ تَأْوِيلِ الِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ بِمَا يُرَادِفُهُ مِنِ اسْمٍ مُذَكَّرٍ، أَوِ الِاعْتِذَارِ بِأَنَّ بَعْضَ الْمَوْصُوفِ بِهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ التَّأْنِيثِ كَمَا هُنَا، وَأَحْسَنُهَا- عِنْدِي- قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا إِذَا أُطْلِقَ عَلَى قَرَابَةِ النَّسَبِ أَوْ بُعْدِ النَّسَبِ فَهُوَ مَعَ الْمُؤَنَّثِ بِتَاءٍ وَلَا بُدَّ، وَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى قُرْبِ الْمَسَافَةِ أَوْ بُعْدِهَا جَازَ فِيهِ مُطَابَقَةُ مَوْصُوفِهِ وَجَازَ فِيهِ التَّذْكِيرُ عَلَى التَّأْوِيلِ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:

٨٣] وَقَالَ: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الْأَحْزَاب: ٦٣] . وَلَمَّا كَانَ إِطْلَاقُهُ فِي هَذِه الْآيَة عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ قُرْبِ الْمَسَافَةِ جَرَى عَلَى الشَّائِعِ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْفُرُوقِ الْعَرَبِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ إِزَالَةً لِلْإِبْهَامِ بِقدر الْإِمْكَان.