Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٢]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٨-أ/ ١٦٨

وَالْقُرْبَى: الْقَرَابَةُ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ ذُو قَرَابَةٍ مِنَ الْقَائِلِ، أَيْ إِذَا قُلْتُمْ قَوْلًا لِأَجْلِهِ أَوْ عَلَيْهِ فَاعْدِلُوا وَلَا تَقُولُوا غَيْرَ الْحَقِّ، لَا لِدَفْعِ ضُرِّهِ بِأَنْ تُغْمِصُوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا لِنَفْعِهِ بِأَنْ تَخْتَلِقُوا لَهُ حَقًّا عَلَى غَيره أَو تبرءوه مِمَّا صَدَرَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاء: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النِّسَاء: ١٣٥] .

وَقَدْ جَاءَ طَلَبُ الْحَقِّ فِي الْقَوْلِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ، دُونَ النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ أَوِ الْبَاطِلِ: لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ الْمُقْتَضِي لِصُدُورِ الْقَوْلِ: فَالْقَوْلُ إِذَا صَدَرَ لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، وَالْأَمْرُ بِأَنْ يَكُونَ حَقًّا أَوْفَى بِمَقْصِدِ الشَّارِعِ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِظْهَارَ الْحَقِّ بِالْقَوْلِ، فَفِي الْأَمْرِ بِأَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَمْرٌ بِإِظْهَارِهِ وَنَهِيٌّ عَنِ السُّكُوتِ بِدُونِ مُوجِبٍ. الثّاني: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ الْبَاطِلِ أَوِ الزُّورِ يَصْدُقُ بِالْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ الَّذِي ظَاهِرُهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ إِلَّا عِنْدَ الْخَوْفِ أَوِ الْمُلَايَنَةِ، أَوْ فِيمَا لَا يَرْجِعُ إِلَى إِظْهَارِ حَقٍّ، وَتِلْكَ هِيَ الْمَعَارِيضُ الَّتِي

ورد فِيهَا حَدِيث: «إِنَّ فِي

الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ»

(١) .

وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا.

خَتَمَ هَذِهِ الْمَتْلُوَّاتِ بِالْأَمْرِ بِإِيفَاءِ الْعَهْدِ بِقَوْلِهِ: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا

. وَعَهْدُ اللَّهِ الْمَأْمُورُ بِالْإِيفَاءِ بِهِ هُوَ كُلُّ عَهْدٍ فِيهِ مَعْنَى الِانْتِسَابِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي