Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأنعام (٦) : آية ١٤١]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٨-أ/ ١١٨

وَالْجَنَّاتُ هِيَ الْمَكَانُ مِنَ الْأَرْضِ النَّابِتُ فِيهِ شَجَرٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ يَجِنُّ أَيْ يَسْتُرُ الْكَائِنَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦٥] . وَإِنْشَاؤُهَا إِنْبَاتُهَا وَتَيْسِيرُ ذَلِكَ بِإِعْطَائِهَا مَا يُعِينُهَا عَلَى النَّمَاءِ، وَدَفْعِ مَا يُفْسِدُهَا أَوْ يَقْطَعُ نبتها، كَقَوْلِه: أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الْوَاقِعَة: ٦٤] .

وَالْمَعْرُوشَاتُ: الْمَرْفُوعَاتُ. يُقَالُ: عَرَشَ الْكَرْمَةَ إِذَا رَفَعَهَا عَلَى أَعْمِدَةٍ لِيَكُونَ نَمَاؤُهَا فِي ارْتِفَاعٍ لَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْوَدُ لِعِنَبِهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ مُلْقًى عَلَى وَجْهِ

الْأَرْضِ. وَعَرَشَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَرْشِ وَهُوَ السَّقْفُ، وَيُقَالُ لِلْأَعْمِدَةِ الَّتِي تُرْفَعُ فَوْقَهَا أَغْصَانُ الشَّجَرِ فَتَصِيرُ كَالسَّقْفِ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ الْجَالِسُ: الْعَرِيشُ. وَمِنْهُ مَا يُذْكَرُ فِي السِّيرَةِ:

الْعَرِيشُ الَّذِي جعل للنّبيء ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي بُنِيَ عَلَى بُقْعَتِهِ مَسْجِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ الْيَوْمَ مَوْجُودٌ بِبَدْرٍ. وَوَصْفُ الْجَنَّاتِ بِمَعْرُوشَاتٍ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ مَعْرُوشٌ فِيهَا، وَالْمَعْرُوشُ أَشْجَارُهَا. وَغَيْرُ الْمَعْرُوشَاتِ الْمُبْقَاةِ كُرُومُهَا مُنْبَسِطَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَرْفَعُ بِقَلِيلٍ، وَمِنْ مَحَاسِنِهَا أَنَّهَا تُزَيِّنُ وَجْهَ الْأَرْضِ فَيَرَى الرَّائِي جَمِيعَهَا أَخْضَرَ.

وَقَوْلُهُ: مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ صِفَةٌ: لِ جَنَّاتٍ قُصِدَ مِنْهَا تَحْسِينُ الْمَوْصُوفِ وَالتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أَنْ أَلْهَمَ الْإِنْسَانَ إِلَى جَعْلِهَا عَلَى صِفَتَيْنِ، فَإِنَّ ذِكْرَ مَحَاسِنِ مَا أَنْشَأَهُ اللَّهُ يَزِيدُ فِي الْمِنَّةِ، كَقَوْلِهِ فِي شَأْنِ الْأَنْعَامِ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النَّحْل: ٦] .

ومُخْتَلِفاً أُكُلُهُ حَالٌ مِنَ الزَّرْعِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَذْكُورَاتِ إِلَى اسْمِ الْحَالِ، وَيُعْلَمُ أَنَّ النَّخْلَ وَالْجَنَّاتِ كَذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِ اللَّهِ، فَيُفِيدُ ذِكْرُ الْحَالِ مَعَ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ تَذَكُّرَ مِثْلِهِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الْجُمُعَة: ١١] أَيْ وَإِلَيْهِ،