Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٩]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٧/ ٤٣٨

فَهَذَا بَيَانُ الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ، وَإِنَّمَا الْعُقْدَةُ فِي وُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ لِأَنَّ مَا يُشْعِرُكُمْ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ: مَا يُدْرِيكُمْ، وَمُعْتَادُ الْكَلَامِ فِي نَظِيرِ هَذَا التَّرْكِيبِ أَنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الدِّرَايَةِ فِيهِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَظُنَّ الْمُخَاطَبُ وُقُوعَهُ، وَالشَّيْءُ الَّذِي يُظَنُّ وُقُوعُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَسَمُهُمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ فَلَمَّا جعل متعلّق فعل الشُّعُورِ نَفْيَ إِيمَانِهِمْ كَانَ مُتَعَلِّقًا غَرِيبًا بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِي اسْتِعْمَالِ نَظِيرِ هَذَا التَّرْكِيبِ.

وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي خَصَائِصِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَفُرُوقِهِ أَنْ لَا يُقَاسَ قَوْلُهُ: وَما

يُشْعِرُكُمْ

عَلَى مَا شَاعَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ مَا يُدْرِيكَ، لِأَنَّ تَرْكِيبَ مَا يُدْرِيكَ شَاعَ فِي الْكَلَامِ حَتَّى جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ بِاسْتِعْمَالٍ خَاصٍّ لَا يَكَادُونَ يُخَالِفُونَهُ كَمَا هِيَ سُنَّةُ الْأَمْثَالِ أَنْ لَا تُغَيَّرَ عَمَّا اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ (مَا) فِيهِ اسْتِفْهَامًا إِنْكَارِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ يُدْرِيكَ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى الْمُخَاطَبِ. فَلَوْ قِسْنَا اسْتِعْمَالَ مَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ (مَا يُدْرِيكُمْ) لَكَانَ وُجُودُ حَرْفِ النَّفْيِ مُنَافِيًا لِلْمَقْصُودِ، وَذَلِكَ مُثَارُ تَرَدُّدِ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ وَالْعَرَبِيَّةِ فِي مَحْمَلِ لَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

فَأَمَّا حِينَ نَتَطَلَّبُ وَجْهَ الْعُدُولِ فِي الْآيَةِ عَنِ اسْتِعْمَالِ تَرْكِيبِ (مَا يُدْرِيكُمْ) وَإِلَى إِيثَارِ تَرْكِيبِ مَا يُشْعِرُكُمْ فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْعُدُولَ لِمُرَاعَاةِ خُصُوصِيَّةٍ فِي الْمَعْدُولِ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ تَرْكِيبٌ لَيْسَ مُتَّبَعًا فِيهِ طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، فَلِذَلِكَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا يَسْمَحُ بِهِ الْوَضْعُ وَالنَّظْمُ فِي اسْتِعْمَالِ الأدوات وَالْأَفْعَال ومفاعليها وَمُتَعَلِّقَاتِهَا (١) .