Skip to content

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير [سورة المائدة (٥) : آية ٦]

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Printed page ٦/ ١٢٦

(٦)

إِذَا جَرَيْنَا عَلَى مَا تَحَصْحَصَ لَدَيْنَا وَتَمَحَّصَ: مِنْ أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ هِيَ مِنْ آخِرِ السُّوَرِ نُزُولًا، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، جَزَمْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ هُنَا تَذْكِيرًا بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ نِعَمِ التَّشْرِيعِ: وَهِيَ مِنَّةُ شَرْعِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ مَشَقَّةِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ، فَجَزَمْنَا بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كُلَّهُ مَشْرُوعٌ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ هُنَا فِي عِدَادِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْآثَارَ صَحَّتْ بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ شُرِعَا مَعَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَبِأَنَّ التَّيَمُّمَ شُرِعَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى - فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٤٣]- الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا شَرْعُ التَّيَمُّمِ أَهِيَ آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ، أَمْ آيَةُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ. وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ أَنَّ حَدِيثَ «الْمُوَطَّأِ» مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَن عبد الرحمان بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الْآيَةِ وَلَكِنْ سَمَّاهَا آيَةَ التَّيَمُّمِ، وَأَنَّ الْقُرْطُبِيَّ اخْتَارَ أَنَّهَا آيَةُ النِّسَاءِ لِأَنَّهَا الْمَعْرُوفَةُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَ الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» ، وَذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةَ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَن عبد الرحمان بْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا يُسَاعِدُ مُخْتَارُنَا فِي تَارِيخِ نُزُولِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ سَهْوًا مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ غير عبد الرحمان بْنِ الْقَاسِمِ وَأَبِيهِ، أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ آيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى

تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وَهِيَ آيَةُ النِّسَاءِ [٤٣] ، فَذَكَرَ آيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ. فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ بِأَنْ تَكُونَ آيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، ثُمَّ أُعِيدَ نُزُولُهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، أَوْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُوضَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ مَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَهْمًا مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ لِأَنَّ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مُشَابَهَةً.