Skip to content

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Printed page ١/ ٤٢٠

بطلان حديث أوس في التوسل بالنبي ﷺ

-

المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى

عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم

التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها

التاريخ ١٤/١١/١٤٢٤هـ

السؤال

قرأت هذا الحديث في مقدمة سنن الدارمي، وقد ذكر لي أن الدارمي من علماء الحديث، أفلا يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ خاصة وأن الذي أمرهم بذلك السيدة عائشة ﵂؟

عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال: "قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: "انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.

الجواب

لا شك أن الدارمي ﵀ من علماء الحديث ومن أصحاب الكتب المصنفة فيه، ولكن لا تلازم بين عدالة وإمامة الجامع للأحاديث في مصنف، وبين صحة كل ما ورد فيه؛ لأنه يذكر الأحاديث بأسانيدها، ويستطيع الباحث عن صحتها بعد ذلك أن يعرف هل هي صحيحة أو لا من خلال البحث؟

فهذا الحديث أخرجه الدارمي في سننه رقم (٩٢) باللفظ المذكور في السؤال، ولكن الحديث فيه علل من حيث الإسناد ومن حيث المتن، فأما من حيث الإسناد:

١-فيه سعيد بن زيد، نقل العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين أنه ضعيف، وأنه ليس بشيء، وضعفه يحيى بن سعيد.

فإذا انفرد في مثل هذا الحديث فهذه علة قوية.

٢-فيه أبو النعمان: محمد بن الفضل الملقب بعارم، قال فيه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت تغير في آخر عمره، وقد نص على اختلاطه البخاري وأبو حاتم والعقيلي والنسائي والدارقطني.

٣-فيه عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن حبان: يخطئ ويغرب، وقال في الكامل في الضعفاء: منكر الحديث عن الثقات ويسرق الحديث، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام، وإن كان قد نقل في التهذيب من الطعن فيه ما يظهر للناظر أنه أدنى مرتبة من قوله صدوق له أوهام، والله أعلم.

وأما من حيث المتن:

١-ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري، وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة ﵂ لم يكن للبيت كوة، بل كان باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين البخاري (٥٤٥) ومسلم (٦١٠) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها، ولم تزل الحجرة كذلك في مسجد الرسول ﷺ، ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه بني حول حجرة عائشة ﵂ التي فيها قبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة ﵂ فكذب بين، ولو صح ذلك لكان حجة ودليلاً على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله، وإنما فتحوا على القبر لتتنزل الرحمة عليه، ولم يكن بدعائه أو بعلمه، فإن الله -تعالى- يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه.

٢-أن هذا الأثر فيه غرابة؛ لأن فتح السقف على القبر كيف يكون له أثر في نزول المطر؟! فهل المقصود أن يكون القبر حينئذ أقرب إلى الله؟ فكيف يقال هذا والنبي ﷺ كان يقول عند وفاته: "في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى"، كما في الصحيحين البخاري (٤٤٥١) ومسلم (٢١٩٢) من حديث عائشة ﵂؟ فمنزلته ﵊ أعلى من أن يتصور أن يحول بينه وبين قربه من ربه سقف الحجرة فضلاً عن غيره.

وإن كان المقصود أن ينزل المطر على قبره، فإذاً كان قبره بحاجة إلى تنزل الرحمة عليه كما أشار إلى ذلك ابن تيمية، مع أن تنزل المطر على قبره لا يظهر كونه سبباً للاستسقاء.

٣-أن من يستدل بهذا الأثر إنما يستدل به على التوسل بذات النبي ﷺ كما هو وارد في السؤال أيضاً.

وهذا الاستدلال لا يستقيم حتى مع صحة الأثر، ولو كان باتفاق الصحابة ﵃، وذلك أن الأثر ليس فيه إلا فتح الكوى، فليس فيه أن أم المؤمنين عائشة ﵂ أمرتهم بالتوسل بذاته ﵊ وقالت: قولوا: اللهم اسقنا بنبيك أو بجاهه ونحو ذلك.

٤-أن هذا الأثر -على فرض صحته- هو من قبيل الموقوف عن عائشة ﵂، وحينئذ فقد يكون اجتهاداً منها في هذه المسألة لم ينقل عن غيرها مثله، ومن استقرأ ما جاء عن الصحابة ﵃ تبين له أنهم لم يكونوا يتوسلون بذات النبي ﷺ، مع أنهم أصدق الناس له حباً وأكملهم له اتباعاً، بل كانوا يتوسلون بدعائه ﷺ في حياته، وأما بعد مماته فكانوا يدعون الله مباشرة، أو يطلبون ممن يرونه أصلح منهم وأتقى لله وأقرب إليه أن يدعو لهم كما في قصة عمر ﵁ في توسله بالعباس ﵁ حين قحطوا وذلك بطلب الدعاء منه، وهذا في البخاري (١٠١٠) من حديث أنس ﵁، وكذلك طلبه من أويس القرني أن يدعو له، وهذا في مسلم (٢٥٤٢) من حديث أُسير بن جابر ﵁، وكما طلب معاوية ﵁ من يزيد بن الأسود أن يدعو في الاستسقاء.

وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يتوسلون بذات النبي ﷺ، إذ لو كانوا يرون التوسل به جائزاً ما عدلوا عنه إلى غيره، بل إن عمر ﵁ وهو من هو في العلم والدين والفضل لم يتوجه إلى قبر المصطفى ﵊ عند الاستسقاء، بل إنما طلب من العباس ﵁ الدعاء، وكان هذا بمجمع من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل أن أحداًَ منهم أرشده إلى غير ما فعله (سبق تخريجه) .

فلو فرض ثبوت النقل عن أحد من الصحابة ﵃ بخلاف ذلك كما في هذا الأثر عن عائشة ﵂ لو صح، وكما ورد في أثر آخر أيضاً لم يثبت عن عثمان بن حنيف ﵁ فهذا لا يقاوم ما ثبت عن جمهورهم من ترك ذلك، وما زال بعض الصحابة ﵃ يقول القول ولا يوافق عليه سائرهم، كما كان ابن عمر ﵄ يغسل عينيه في الوضوء. وكما كان أبو هريرة ﵁ يغسل ذراعيه حتى يبلغ الإبط، وكقول ابن عباس في العول وبعض مسائل الفرائض وغير ذلك. بل عائشة ﵂ جاء عنها بعض مسائل لم يوافقها عليها سائر الصحابة ﵃ وعامة الأمة كثبوت المحرمية برضاع الكبير وغيرها. وقول الصحابي إنما يكون حجة حين يوافقه بقية الصحابة ﵃ فيصبح إجماعاً. أو لا ينقل عن غيره مخالفة له، أو لا يعرف له مخالف، فقوله حينئذ حجة عند طوائف من أهل العلم.

٥-أن هذا الأثر لو صح أو صح غيره مما يدل على التوسل بالنبي ﷺ، واعتقد الناظر صحة تلك الأدلة، وأنه لا معارض لها فينبغي حينئذ أن يقتصر على التوسل بالنبي ﷺ دون غيره، فإن إلحاق غيره به لا يصح بحال، ولا يمكن الاستدلال له بذات الأدلة؛ لما لرسول الله ﷺ من الخصوصية والمنزلة التي لا يشاركه -بل ولا يدانيه- فيها غيره.

وهذا على فرض صحة الأدلة وسلامتها من المعارض، مع أنا قد بينا خلاف ذلك، وليس لأحد حين يتبين له الحق أن يحيد عنه إلى غيره، وقد تبين له ضعف دليله، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.