فتاوى واستشارات الإسلام اليوم
حديث الأعرابي في الطواف
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٢/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
بينما النبي ﷺ في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب، وقال: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فالتفت الأعرابي إلى النبي ﷺ، وقال: يا صبيح الوجه، يا رشيق القد، أتهزأ بي لكوني أعرابياً؟ والله لولا صباحة وجهك، ورشاقة قدك لشكوتكم إلى حبيبي محمد ﷺ، تبسم النبي ﷺ، وقال: أما تعرف نبيك يا أخا العرب؟ قال الأعرابي: لا، قال النبي ﷺ: فما إيمانك به؟ قال: آمنت بنبوته ولم أره، وصدَّقت برسالته ولم ألقه، قال النبي ﷺ: يا أعرابي اعلم أني نبيك في الدنيا، وشفيعك في الآخرة فأقبل الأعرابي يقبل يد النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: مه يا أخا العرب لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها، فإن الله ﷾ بعثني لا متكبراً ولا متجبراً، بل بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، فهبط جبريل على النبي ﷺ، وقال له: يا محمد السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك: قل للأعرابي، لا يغرنه حلمنا ولا كرمنا، فغداً نحاسبه على القليل والكثير، والفتيل والقطمير، فقال الأعرابي: أو يحاسبني ربي يا رسول الله، قال: نعم يحاسبك إن شاء، فقال الأعرابي: وعزته وجلاله إن حاسبني لأحاسبنه، فقال النبي ﷺ: وعلى ماذا تحاسب ربك يا أخا العرب؟ قال الأعرابي: إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته، وإن حاسبني على معصيتي حاسبته على عفوه، وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه، فبكى النبي ﷺ حتى ابتلت لحيته، فهبط جبريل ﵇ على النبي ﷺ، وقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك: يا محمد قلل من بكائك، فقد ألهيت حملة العرش عن تسبيحهم. قل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه، فإنه رفيقك في الجنة. فما أصل هذا الحديث، وما مدى صحته
الجواب
إن الحديث المذكور يصلح مثالاً للأحاديث التي تظهر فيها علامات الوضع والكذب، وفيه من ركاكة اللفظ، وضعف التركيب، وسمج الأوصاف، ولا يَشُكُّ من له معرفة بالسنة النبوية وما لها من الجلالة والجزالة أنه لا يمكن أن يكون حديثاً صحيحاً ثابتاً عن النبي ﷺ ولم أجده بهذا اللفظ، وليت أن السائل يخبرنا بالمصدر الذي وجد فيه هذا الحديث ليتسنى لنا تحذير الناس منه. على أن أبا حامد الغزالي - على عادته ﵀ قد أورد حديثاً باطلاً في (إحياء علوم الدين ٤/١٣٠) قريباً من مضمونه من الحديث المسؤول عنه، وفيه أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله من يلي حساب الخلق يوم القيامة؟ فقال ﷺ: الله ﵎، قال: هو بنفسه؟ قال: نعم، فتبسم الأعرابي، فقال ﷺ: ممَّ ضحكت يا أعرابي؟ قال: إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح.. إلى آخر الحديث.
وقد قال العراقي عن هذا الحديث:"لم أجد له أصلاً"، وذكره السبكي ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً (تخريج أحاديث الإحياء: رقم ٣٤٦٦، وطبقات الشافعية الكبرى: ٦/٣٦٤) ، ومع ذلك فالنصوص الدالة على سعة رحمة الله -تعالى- وعظيم عفوه ﷿، وقبوله لتوبة التائبين، واستجابته لاستغفار المستغفرين كثيرة في الكتاب وصحيح السنة.
قال - تعالى-:"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى" [طه:٨٢] ، وقال - تعالى-:"وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون" [الشورى:٢٥] ، وقال -تعالى-:"ورحمتي وسعت كل شيء " [الأعراف: ١٥٦] .
وفي الصحيحين البخاري (٧٥٥٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:"إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي"، والله أعلم.