Skip to content

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Printed page ١/ ٤٤٢

حديث: "أنتم أعلم بأمر دنياكم

"

المجيب د. محمد بن عبد الله القناص

عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم

التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها

التاريخ ١٩/٥/١٤٢٥هـ

السؤال

فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بالنسبة لرواية: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) التي عند مسلم ﵀ هناك رجل يزعم:

١- أنها موضوعة بناء على إسنادها.

٢- أن معناها باطل؛ لأنها على زعمه:

أ - مقيدة بالله فيكون معناها أنتم أعلم بأمر دنياكم من الله.

ب - مطلقة فيكون معناها -على زعمه- أنتم أعلم بأمر دنياكم من الله ورسوله ﷺ والملائكة، والجن ... الخ، ويرفض رفضاً شديداً أن يكون المقصود بها الرسول ﷺ فما رأي فضيلتكم في تفكير ذلك الرجل؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

قصة تأبير النخل أخرجها الإمام مسلم من حديث غير واحد من الصحابة ﵃:

١- أخرجها ح (٢٣٦١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: "مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا " قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-بِذَلِكَ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا. فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ؛ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿".

٢- ومن حديث رافع بن خديج ﵁ ح (٢٣٦٢) قال: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ-الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ " قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا"، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا.

٣- من حديث أنس- ﵁ ح (٢٣٦٣) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ-مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: "لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ" قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: "مَا لِنَخْلِكُمْ؟ " قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ".

- هذه القصة ظاهرة الدلالة أنه ﷺ قد خاطب أصحابه- ﵃ حينما وجدهم يؤبرون النخل، فظن أن هذا لا يفيد شيئاً، والصحابة ﵃ فهموا أنه ﷺ نهاهم عن ذلك فتركوا التأبير، والرسول ﷺ-لم ينههم عن التلقيح، لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم.

وظنه ﵊ في أمور المعايش وخبرات الحياة كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك، قال القرطبي: "وقوله ﷺ": ما أظن ذلك يغني شيئاً " يعني به الإبار، إنما قال النبي ﷺ-هذا؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئاً من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة. " المفهم (٦/١٦٨) .

وقال النووي: "قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً وإنما كان ظناً؛ كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها، والله أعلم " شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/١١٦) .

- هذه القصة وقعت مرة واحدة، وقد تعددت ألفاظها، مما يشعر بدخول الرواية بالمعنى في بعض سياقاتها، والإمام مسلم قدم حديث طلحة ﵁ في الترتيب، ولعل ما جاء في سياقه مقدم على غيره ثم ثنى برواية عكرمة بن عمار عن رافع بن خديج وفيه: "وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ".

قال النووي ﵀: " لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى لقوله في آخر الحديث قال عكرمة: أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبي ﷺ-محققاً "، وينظر إكمال المعلم (٧/٣٣٤) .

ثم ذكر الإمام مسلم السياق الثالث، وهو من طريق حماد بن سلمة، وكان حماد يخطئ، وهذا السياق هو الذي فيه: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وبعض الناس اتخذ من قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ذريعة للتنصل من أحكام الإسلام المتعلقة بالدنيا مثل المعاملات ونحوها، ومن المعلوم أن تشريعات الإسلام وأحكامه جاءت لتحكم حياة الناس في جميع شؤونهم من عبادات ومعاملات وأحكام أسرية، وغير ذلك، قال الله -تعالى-: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً"، وقال تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً"، وقال ﷿: "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.