Skip to content

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد المجلد الأول الباب التاسع عشر: سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Printed page ١/ ٢٨٠

لا يعرف شيئاً، مع أنه أفنى عمره في علم الكلام والجدل والمنطق، هذا مآل المتنطعين- والعياذ بالله-، وشهاداتهم على أنفسهم موجودة، مما يدل على صدق قول الرسول ﷺ: "هلك المتنطعون".

أما التنطع في العبادة فهو كما سلف، هو: أن يزيد الإنسان في العبادة على الحد المشروع، وهذه رهبانية النصارى، أما الحد المشروع فهو كما قال ﷺ: "أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، ومن رغب عن سنتي فليس مني" هذا هو الاعتدال، وأما التبتّل وعدم التزوج، والصيام دائماً ولا يُفطر، والصلاة كل الليل ولا ينام، هذا كله من الغلو ومن التنطع الذي يَهْلك صاحبه كما هلكت النصارى في رهبانيتهم، والنبي ﷺ حذّر من الغلو، وحذّر من رهبانية النصارى، وأمر بالاعتدال والتوسط، وقال: "هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ، وقال ﷺ: "إن المنبتّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" والمنبت هو: الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت راحلته، ويقف في وسط الطريق: "فلا ظهراً أبقى" لأن راحلته ماتت، ولا أرضاً قطع لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئاً فشيئاً، وأراح نفسه، وأراح راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال ﷺ: "أوغلوا فيه برفق".

فالحاصل؛ أن التنطع في العبادة هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع، والمطلوب أن الإنسان يتوسط في العبادة من غير زيادة، ومن غير نقصان.

ونبيّن هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث لاختصار:

المسألة الأولى: التحذير من الغلو في مدحه ﷺ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، كما أدى بالنصارى إلى الشرك.

المسألة الثانية: فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه ﷺ، كصاحب البردة، وغيره.

المسألة الثالثة: فيه النهي عن التشبه بالنصارى، لقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم".