إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد
أما قوله تعالى: ﴿قُلِ﴾ هذا أمر لرسوله محمَّد ﷺ بأن يقول لهؤلاء الذين يدعون الملائكة وغيرهم من دون الله ويزعمون أنهم يشفعون لهم عند الله بغير إذنه ﷾، قل لهم يا أيها الرسول، بلّغهم، أخبرهم، بيّن لهم.
﴿ادْعُوا﴾ هذا أمر توبيخ وتعجيز، لأن الأمر يأتي- أحياناً- للتّوبيخ والتعجيز، لا لطلب الشيء أو تشريع الشيء، كما في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ، ليس هذا أمراً بالكفر، وإنما هذا أمر توبيخ وتهديد، وإلاّ فالله ﷾ لا يأمر بالكفر، وإنما ﴿َفلْيَكْفُرْ﴾ معناه أمر تهديد وتوبيخ وقد يكون الأمر للتعجيز ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذا أمر تعجيز.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ هذا فيه رد عليهم وذلك لأنهم لم يبنوا فعلهم هذا على دليل من الشرع النازل من عند الله، فالله لم يشرع دعاء غيره أبداً، وإنما أمر بدعائه وحده لا شريك له، فمن دعا غيره فهذا زعم منه، والزعم باطل، وكذلك لم يعتمدوا على دليل عقلي فطري، لأن العقل يدل على أن العبادة لا تكون إلاّ لمستحقها وهو الله ﷾، أما العبد الفقير العاجز، فإنه لا يستحق العبادة، هذا دليل العقل مع دليل الشرع بأن العبادة والدعاء لا يصلحان إلاّ لله ﷾، والزعم معناه: الكذب، دلّ على أنهم كاذبون في عملهم هذا، لأنه إذا لم يكن عليه دليل فهو كذب.
ومعنى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتم أنهم ينفعون أو يضرون.
﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله ﷾.
﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وذلك أن المدعو لابد أن يتوفر فيه أحد هذه الأحوال:
الحالة الأولى: إما أن يكون مالكاً للمطلوب منه، فأنت إذا طلبت من أحد شيئاً فلابد أن يكون مالكاً له، وهؤلاء المدعوون لا يملكون شيئاً مما يطلب منهم؟ إذاً دعاؤهم باطل، كيف تطلبون من أناس لا يملكون ما تطلبونه منهم فهم: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: ليس لهم ملك ولو قلّ، والذّرّة معروفة هي أصغر شيء،