إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية.
ــ
الآية الثانية: قوله ﷾: " ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) ﴾ " إبراهيم هو الخليل- ﵊، الذي تكرّر ذكره في القرآن الكريم، وأثنى الله عليه، وأمر باتباعه والاقتداء به، وهو أبو الأنبياء- ﵊، اتخذه الله خليلاً، وجعله إماماً للناس، أي: قُدوة يُقتدى به، وجعل الأنبياء الذين جاءوا من بعده من ذريته: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ، فكل الأنبياء الذين جاءوا بعد إبراهيم فهم من ذرية إبراهيم ﵇، فأنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، ومحمد ﷺ من ذرية إسماعيل، فكلهم إذاً من ذرية إبراهيم- ﵊، ولهذا سُمِّي "أبا الأنبياء".
" ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ﴾ " أول ما بدأ بأبيه. " ﴿وَقَوْمِهِ﴾ " الذين بعثهم الله إليهم، وهم الأمة التي كانت تعبد الكواكب، وهم الصابئة المشركون الذين كانوا يعبدون الكواكب، وكان ملكهم النُّمْرُود الذي قال الله فيه:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ ، جادله وجحد أن يكون هناك رب غيره ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ يعني: بسبب أن الله أعطى النُّمْرُود الملك تكبّر وعصى، بدل أن يشكر الله ﷿ ما أعطاه، ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، بمعنى أن يقتل من شاء ويترك من شاء فأراد إبراهيم أن يأتي بأمر لا يمكنه أن يُغالط فيه: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، فلم يمكنه أن يغالط في هذا الأمر، لأنه لا يمكنه أنه يُغالط ويدَّعي أنه يأتي بالشمس من المغرب، معاكسة لتدبير الله ﷾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقوله: " ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ " براء وبريء بمعنىً واحد، معناه: قطع الصِّلة والبعد عن المُتَبَرَّأُ منه، بخلاف الموالاة، فإن معناها: القُرب والاتصال بالمُوَالى، أما البراءة فمعناها: البعد والانقطاع، يقال برأ القلم إذا قطعه.