Skip to content

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

ابن قدامة

Printed page ١/ ٣٩٦

وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَبِهِ قَالَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، وَعَلْقَمَةُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً.

وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ: كَانَ مَسْجِدُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَتَيْنِ، وَكَانَ مَسْجِدُ الْمُهَاجِرِينَ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَةً. وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ.» وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» ، رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى قَدْ خَرَجَ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ مَا بَعْدَهَا كَالثَّانِيَةِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُسَلِّمُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ.» وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَرْوِيهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يَرْوِي مَنَاكِيرَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَسَأَلَ الْأَثْرَمُ، أَحْمَدَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقُولُ هِشَامٌ: كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُنَا. قِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَسْلِيمًا. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَسْلِيمَةً. قَالَ: هَذَا أَجْوَدُ. فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ، وَمَنْ رَوَى: تَسْلِيمًا. فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ. عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى أَحَادِيثِهِمْ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.

وَيَجُوزُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِيُبَيِّنَ الْجَائِزَ وَالْمَسْنُونَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَحَلُّلَانِ كَالْحَجِّ.

[فَصْلٌ الْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ]

(٧٧١) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ صَلَاةَ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، جَائِزَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الثَّانِيَةَ وَاجِبَةٌ. وَقَالَ: هِيَ أَصَحُّ؛ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهَا وَيُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَكَانَا وَاجِبَيْنِ، كَتَحَلُّلَيْ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ.

وَلَيْسَ نَصُّ أَحْمَدَ بِصَرِيحٍ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ، إنَّمَا قَالَ: التَّسْلِيمَتَانِ أَصَحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَذْهَبُ إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ