المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ، فَقَدْ قَضَيْت مَا عَلَيْك» . رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» . وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: الزَّكَاةُ. فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. أَوْ كَمَا قَالَ» .
وَالْآيَةُ فَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إذَا جَمَعَ ثَلَاثَتَهَا فَلَهُ الْوَيْلُ، إذَا سَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، وَرَاءَى، وَمَنَعَ الْمَاعُونَ. وَيَجِبُ رَدُّ الْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً. بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً، تَعَدَّى فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ: هِيَ أَمَانَةٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا بِالتَّعَدِّي؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ، ضَمَانٌ» . وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَكَانَتْ أَمَانَةً، كَالْوَدِيعَةِ. قَالُوا: وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» . وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا إذْنٍ فِي الْإِتْلَافِ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ. وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعُمَرُ وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأَجْزَاءِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.
[فَصْل شَرْطِ نَفْي الضَّمَانِ فِي الْعَارِيَّة]
(٣٩١٢) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ، لَمْ يَسْقُطْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَسْقُطُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَهَا. وَقِيلَ: بَلْ مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ضَمَانَهَا فَيَجِبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِصَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» .