Skip to content

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة مسألة لا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع

المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

ابن قدامة

Printed page ٣/ ٤٦٥

عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِفِعْلِهِمْ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَرُوهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُمْ وَيَنْحَرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِمْ سَلِيمًا.

[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَتَوَلَّى نَحْرَ الْهَدْيِ بِنَفْسِهِ]

(٢٧١٩) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَتَوَلَّى نَحْرَ الْهَدْيِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، وَرُوِيَ عَنْ غُرْفَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأُتِيَ بِالْبُدْنِ، فَقَالَ: اُدْعُ لِي أَبَا الْحَسَنِ. فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ. وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَاهَا، ثُمَّ طَعَنَا بِهَا الْبُدْنَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي بُدْنِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَّرَ» . وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَإِنْ لَمْ يَذْبَحْ بِيَدِهِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْهَدَ ذَبْحَهَا؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ: اُحْضُرِي أُضْحِيَّتَكِ يُغْفَرْ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» .

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى تَفْرِيقَ اللَّحْمِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَقَلُّ لِلضَّرَرِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ.»

[فَصْلٌ يُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَخْذُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ]

(٢٧٢٠) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَخْذُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، الْإِذْنُ فِيهِ لَفْظًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» . وَالثَّانِي، دَلَالَةٌ عَلَى الْإِذْنِ، كَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يُبَاحُ إلَّا بِاللَّفْظِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِسَائِقِ الْبُدْنِ: «اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَشِبْهَهُ كَافٍ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفِيدًا.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ]

(٢٧٢١) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ) الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ مَا سِوَاهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ تَرَكَ ذِكْرَ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ مُتْعَةٌ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَنْذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ بَدَلٌ، وَالنَّذْرُ جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَأْكُلُ أَيْضًا مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يُسَمِّهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ التَّطَوُّعَ.