مدارج السالكين - ط الكتاب العربي
وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: عَمِلْتُ فِي الْمُجَاهَدَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنَ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ لَبَقِيتُ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ، إِلَّا فِي تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ.
وَقَالَ مَرَّةً لِخَادِمِهِ: قُمْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَّرَ نَفْسَهُ بِالصَّلَاحِ لِنَزُورَهُ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ تَنَخَّعَ. ثُمَّ رَمَى بِهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَرَجَعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ؟
وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْفِيَنِي مُؤْنَةَ النِّسَاءِ. ثُمَّ قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ هَذَا؟ وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ وَلَمْ أَسْأَلْهُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَفَانِي مُؤْنَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى لَا أُبَالِيَ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأَةٌ أَوْ حَائِطٌ.
وَقَالَ: لَوْ نَظَرْتُمْ إِلَى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الْكَرَامَاتِ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ، حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَحِفْظِ الْحُدُودِ، وَأَدَاءِ الشَّرِيعَةِ؟
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ ﵀: مِنْ عَمِلَ عَمَلًا بِلَا اتِّبَاعِ سُنَّةٍ، فَبَاطِلٌ عَمَلُهُ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ ﵀: الصُّحْبَةُ مَعَ اللَّهِ: بِحُسْنِ الْأَدَبِ، وَدَوَامِ الْهَيْبَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَالصُّحْبَةُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَلُزُومِ ظَاهِرِ الْعِلْمِ. وَمَعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ: بِالِاحْتِرَامِ وَالْخِدْمَةِ. وَمَعَ الْأَهْلِ: بِحُسْنِ الْخُلُقِ. وَمَعَ الْإِخْوَانِ: بِدَوَامِ الْبِشْرِ. مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. وَمَعَ الْجُهَّالِ: بِالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ.
زَادَ غَيْرُهُ: وَمَعَ الْحَافِظِينَ: بِإِكْرَامِهِمَا وَاحْتِرَامِهِمَا، وَإِمْلَائِهِمَا مَا يَحْمَدَانِكَ عَلَيْهِ. وَمَعَ النَّفْسِ: بِالْمُخَالَفَةِ. وَمَعَ الشَّيْطَانِ: بِالْعَدَاوَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا: مَنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا: نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا: نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] .
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ: مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَدَّعِي مَعَ اللَّهِ ﷿ حَالَةً تُخْرِجُهُ عَنْ