Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي فصل الدرجة الثانية الرضا عن الله

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ٢/ ٢١٤

إِذَا لَمْ يَذُمَّهُ صَانِعُهُ - غِيبَةٌ لَهُ وَقَدْحٌ فِيهِ.

الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ اللَّهَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ. كَمَا فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي إِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي. وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي. وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى. وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ. وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ. وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ. وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ. وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ زِيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ. وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» .

فَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: سَأَلَهُ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الرِّضَا. وَأَمَّا الرِّضَا قَبْلَهُ: فَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى أَنَّهُ يَرْضَى إِذَا أَصَابَهُ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الرِّضَا بَعْدَهُ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ، وَالْعِفَّةَ، وَالْأَمَانَةَ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ» .

الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ الرِّضَا بِالْقَدَرِ يُخَلِّصُ الْعَبْدَ مِنْ أَنْ يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ. وَأَنْ يَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ. وَأَنْ يَحْمَدَهُمْ عَلَى مَا هُوَ عَيْنُ فَضْلِ اللَّهِ. فَيَكُونُ ظَالِمًا لَهُمْ فِي الْأَوَّلِ - وَهُوَ رِضَاهُمْ وَذَمُّهُمْ - مُشْرِكًا بِهِمْ فِي الثَّانِي - وَهُوَ حَمْدُهُمْ - فَإِذَا رَضِيَ بِالْقَضَاءِ تَخَلَّصَ مِنْ ذَمِّهِمْ وَحَمْدِهِمْ. فَخَلَّصَهُ الرِّضَا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ: أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ. إِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ. وَإِنَّ اللَّهَ - بِحِكْمَتِهِ - جَعَلَ الرُّوحَ وَالْفَرَحَ فِي الرِّضَا