Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي فصل الخلاف في اشتراط عدم العود إلى الذنب

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ١/ ٢٩٥

عِكْرِمَةُ: قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَبْلَ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَالْكَلْبِيُّ: أَنْ يَتُوبَ فِي صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» وَفِي نُسْخَةِ دَرَّاجٍ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ ﷿: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» .

فَهَذَا شَأْنُ التَّائِبِ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ فِي السِّيَاقِ فَقَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَوْبَةُ اضْطِرَارٍ لَا اخْتِيَارٍ، فَهِيَ كَالتَّوْبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعِنْدَ مُعَايَنَةِ بَأْسِ اللَّهِ.

قَالُوا: وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ هِيَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ، وَالْكَفُّ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَمْرٍ مَقْدُورٍ، وَأَمَّا الْمُحَالُ فَلَا يُعْقَلُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ الْإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِيقَاعُ حَتَّى يَتَأَتَّى مِنْهُ الْإِقْلَاعُ.

قَالُوا: وَلِأَنَّ الذَّنْبَ عَزْمٌ جَازِمٌ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلُهُ الْمَقْدُورُ، وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ عَزْمٌ جَازِمٌ عَلَى تَرْكِ الْمَقْدُورِ، يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْكُ، وَالْعَزْمُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْدُورِ مُحَالٌ، وَالتَّرْكُ