مدارج السالكين - ط الكتاب العربي
الْفَنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ: لَيْسَ هُوَ الْفَنَاءَ الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ الطَّائِفَةُ، فَإِنَّ الْفَنَاءَ فِي الْآيَةِ الْهَلَاكُ وَالْعَدَمُ، أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ يُعْدَمُ وَيَمُوتُ، وَيَبْقَى وَجْهُهُ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أَيْقَنَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالْهَلَاكِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَرَأْتَ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ فِي الْقُرْآنِ وَكَمَالِ عِلْمِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ: الْإِخْبَارُ بِفَنَاءِ مَنْ عَلَيْهَا مَعَ بَقَاءِ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِتَمْدَحَهُ بِالْبَقَاءِ وَحْدَهُ، وَمُجَرَّدُ فَنَاءِ الْخَلِيقَةِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحُهُ، إِنَّمَا الْمَدْحُ فِي بَقَائِهِ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، فَهِيَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] .