Skip to content

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي فصل في منازل إياك نعبد فصل الصحو

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Printed page ٣/ ٢٩٦

الِاتِّصَالِ، وَأَيْضًا فَالسُّكْرُ فَنَاءٌ، وَالصَّحْوُ بَقَاءٌ.

وَأَيْضًا فَالسُّكْرُ غَيْبَةٌ وَالصَّحْوُ حُضُورٌ، وَأَيْضًا فَالسُّكْرُ غَلَبَةٌ وَالصَّحْوُ تَمَكُّنٌ، وَأَيْضًا فَالسُّكْرُ كَالنَّوْمِ وَالصَّحْوُ كَالْيَقَظَةِ.

وَبَعْضُهُمْ يُفَضِّلُ مَقَامَ السُّكْرِ عَلَى مَقَامِ الصَّحْوِ وَيَقُولُ: لَوْلَا الْبَقِيَّةُ الَّتِي بَقِيَتْ فِيهِ لَمَا صَحَا، وَيُنْشِدُ مُتَمَثِّلًا:

وَمَهْمَا بَقَى لِلصَّحْوِ فِيكَ بَقِيَّةٌ ... يَجِدْ نَحْوَكَ اللَّاحِي سَبِيلًا إِلَى الْعَذْلِ

وَهَذَا غَلَطٌ مَحْضٌ، لِمَا ذَكَرْنَا. نَعَمِ السُّكْرُ فَوْقَ الصَّحْوِ الْفَارِغِ، وَالسَّكْرَانُ بِالْمَحَبَّةِ خَيْرٌ مِنَ الصَّاحِي مِنْهَا، وَالصَّاحِي بِهَا خَيْرٌ مِنَ السَّكْرَانِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: " وَهُوَ يُنَاسِبُ مَقَامَ الْبَسْطِ " وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا؛ أَنَّ الِانْبِسَاطَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الصَّحْوِ، وَإِلَّا فَالسُّكْرُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْبِسَاطَ.

قَوْلُهُ: " وَالصَّحْوُ مَقَامٌ صَاعِدٌ عَنْ الِانْتِظَارِ " يَعْنِي: انْتِظَارَ الْحُضُورِ فَإِنَّ الصَّاحِيَ مُتَمَكِّنٌ فِي الْحُضُورِ؛ وَلِذَلِكَ أَشْبَهَ مَقَامُهُ مَقَامَ الْبَسْطِ، فَالصَّحْوُ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَصْحَبَهُ الِانْتِظَارُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدِ اتَّصَلَ، فَهُوَ لَا يَنْتَظِرُ الِاتِّصَالَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: مُغْنٍ عَنِ الطَّلَبِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ إِنَّمَا يَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَى مَطْلُوبِهِ، وَهَذَا قَدِ اتَّصَلَ، فَصَحْوُهُ مُغْنٍ لَهُ عَنْ طَلَبِهِ.

وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ الطَّلَبَ لَا يُفَارِقُ الْعَبْدَ مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ تَصْحَبُهُ، نَعَمْ؛ صَحْوُهُ مُغْنٍ عَنْ طَلَبِ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِهِ، وَأَمَّا طَلَبُ مَحَابِّ مَحْبُوبِهِ وَمَرَاضِيهِ فَهُوَ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ لَهَا طَلَبًا.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ: أَنَّهُ مُغْنٍ عَنِ التَّوَجُّهِ وَالسُّلُوكِ، فَإِنَّهُ وَاصِلٌ، وَالسَّالِكُ لَا يَزَالُ فِي الطَّرِيقِ.

قُلْتُ: الْعَبْدُ لَا يَزَالُ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَلْحَقَ اللَّهَ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وَهُوَ الْمَوْتُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ.

وَتَقْسِيمُ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى طَالِبٍ وَسَالِكٍ وَوَاصِلٍ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارٍ، فَاسِدٌ