Skip to content

لوامع الأنوار البهية الباب الخامس ذكر سيدنا محمد وبعض الأنبياء وفضله وفضل أصحابه وأمته فصل فيما يجب وما يستحيل في حق الأنبياء

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Printed page ٢/ ٣٠٧

أَفَّاكٌ وَأَفِيكٌ وَأُفُوكٌ. وَفِي حَدِيثِ عَرْضِ نَفْسِهِ ﷺ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ لَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ. أَيْ صَرَفُوا عَنِ الْحَقِّ وَمَنَعُوا مِنْهُ يُقَالُ أَفِكَهُ يَأْفِكُهُ إِفْكًا إِذَا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَذِبِ ((وَ)) مَعْصُومُونَ ((مِنْ خِيَانَةٍ)) ، وَلَوْ قُلْتَ ((لِ)) وُجُوبِ ((وَصْفِهِمْ)) - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((بِالصِّدْقِ)) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ ((وَ)) وُجُوبِ وَصْفِهِمْ بِـ ((الْأَمَانَةِ)) الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَالصِّدْقُ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِمْ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَهُوَ مُطَابَقَةُ أَخْبَارِهِمْ لِلْوَاقِعِ إِيجَابًا وَسَلْبًا، إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ لَجَازَ الْكَذِبَ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى لِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ بِالْمُعْجِزَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي، وَتَصْدِيقُ الْكَاذِبِ مِنَ الْعَالِمِ بِكَذِبِهِ مَحْضُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلُزُومُهُ كَذَلِكَ.

وَقَدْ أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغُ فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مَعْصُومُونَ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا عَلَى تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ -: يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ أَوِ السُّنَّةُ الْمَعْلُومَةُ وَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِالتَّفْصِيلِ، فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا الْهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ شَهِدَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ، إِذِ الْكَاذِبُ لَيْسَ بِرَسُولٍ فِيمَا يُكَذِّبُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] وَهُوَ عِرْقٌ فِي الْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ، وَفِي قِصَّةِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ سُؤَالِ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أَوْصَافِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ؟ - أَيْ عَلَى النَّاسِ - قَالَ: لَا وَإِنْ كَانَ لَيُدْعَى فِينَا بِالْأَمِينِ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ