Skip to content

تفسير سورة الحجرات

Printed page: 7/ 11 · Part 1 of 2

Text

أثر ظن السوء على المجتمع ووحدته قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] . تأملوا هذا النسق القرآني العظيم، بعد ذكره ﷾ السخرية وما يتعلق بها من اللمز والنبز بالألقاب يأتي بقسم آخر من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع المسلم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا﴾ هذه الخطوات الثلاث وما بعدها إيضاح لجريمة الغيبة. قوله سبحانه: (اجْتَنِبُوا) بدل اتركوا أو لا تظنوا، يقول فيه والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه: قال في الخمر: (فاجتنبوه) أبلغ في الزجر من اتركوه، أو لا تشربوه؛ لأن (تتركوه) قد يتركه وهو جنبه محتفظ به لكن (فاجتنبوه) . أي: جنبوه عنكم بعيداً، وكونوا عنه عن بعد فإذا كان عنك بعيداً فلا أنت شارب له ولا محتفظ به. وهنا: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ، أي: كونوا على جانب من البعد من كثير من الظن، وهذا أبلغ من: لا تظنوا , و (كَثِيراً) مفهومه: لو كان هناك ظن قليل وكان الظن للخير فلا مانع، كما قال تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] . جلس أبو أيوب وأم أيوب في تلك الحالة فقال: يا أم أيوب! لو كنت مكان عائشة أتفعلين ما يقال عنها؟ قالت: لا والله. ولا أرضاه لنفسي، فقال: لـ عائشة خير منك، فقالت: وأنت يا أبا أيوب لو كنت مكان صفوان بن المعطل، أكنت تفعل ما يقال عنه؟ قال: لا والله، ولا أرضاه لنفسي، فقالت: لهو خير منكم، فظنوا بأنفسهم خيراً، وكذلك ظنوا بأم المؤمنين أنها لا تفعل ذلك، فهذا ظن في الخير، فالظن في الخير كله خير، أما في الشر فلا. إذاً: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ولا مانع أن يكون هناك بعض الظن في الخير، والظن هو: التوجس والتحسب، وأن يكون فقه على غير علم، لا عن محسوس بسمع ورؤيا. ثم هذه السخرية وما يتبعها من الهمز واللمز والنبز بالألقاب جاء هنا مرة أخرى، فقال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ ، فإذا لم تجتنب وغلبتك النفس، ورأيت بعض العلامات أو الأمارات ورأيت أن بعض الناس يدخلون ويخرجون من بيت ما، فتقول: ماذا عند هؤلاء؟ وذهبت تقدر بأنهم يجتمعون على كذا، وأنهم يعملون كذا، فظننت بهم شراً، فقلت: لماذا الظن؟ لم لا أتأكد؟ فذهبت تتجسس عليهم لتتحقق ما ظننته فيهم. إذاً: التجسس مبني على سوء الظن، فجاء الترتيب منسقاً، ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ﴾ فإذا ظننتم ولا بينة عندكم فلا تتبعوا سوء الظن بالتجسس لتتحققوا فيما ظننتم فيه، وهذا في غاية من البلاغة والتنسيق القرآني الكريم، ظننت ثم ذهبت فتجسست لحب الاستطلاع، فستجد نتيجة إما سلباً أو إيجاباً، فلما لم تجد شيئاً رجعت بخفي حنين، أو أنك وجدت شيئاً مما كنت تظن، فماذا يكون موقفك؟ قف عند هذا ولا تذهب تغتاب أخاك فيما رأيته من تحقيق ظنك السابق. إذاً: يبدأ سوء الظن وهو عمل القلب، ثم تأتي الخطوة الثانية وهي: التجسس وهو عمل الجوارح، وتأتي الخطوة الثالثة بمقتضى تجسسك بأن تغتابه بذكر ما رأيت من معايب. أرأيتم هذا النسق القرآني العجيب؟ هذا هو الإعجاز. ثم يأتي تصوير القبح في هذا العمل: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ﴾ [الحجرات:١٢] ، أي: بما رأى من تجسسه، أو كما بين الحديث بصفة عامة: (ما الغيبة يا رسول الله؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أرأيت إن كان حقاً ما ذكرته فيه؟ قال: إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول: فقد بهته) ؛ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ، فقد وسع الرسول ﷺ في موضوع الغيبة إما ابتداء وإما نتيجة للتجسس لا يغتب بعضكم بعضاً. ثم جاء بالصورة التوضيحية: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ، هذا التمثيل التصويري صورة بصورة، جعل القرآن العظيم أن ذكرك أخاك في غيبته بما يكره كأن تنهش لحم أخيك الميت، بجامع أن الغائب لا يملك أن يرد عن نفسه حال غيبته، والميت لا يملك الدفاع عن نفسه لموته، وقبح الفعل يأتي بالتعبير عنه بقوله: (فَكَرِهْتُمُوهُ) .

Reading tools

Cite this page

This book has no printed page numbers; these are Shamela's own.

Shamela
«تفسير سورة الحجرات» (٧/ ١١ بترقيم الشاملة آليا)
Short
عطية سالم، تفسير سورة الحجرات، ج ٧، ص ١١.
Full
عطية سالم (ت ١٤٢٠هـ). تفسير سورة الحجرات. ١٤٢٠هـ، ج ٧، ص ١١، بترقيم الشاملة آليا.

Go to a printed page