Skip to content

تفسير سورة الحجرات

Printed page: 10/ 9 · Part 1 of 3

Text

اليقين في كتاب الله نجد اليقين كما أسلفنا من أول كتاب الله إلى آخرة وما بين الطرفين عمل بمقتضى ذلك اليقين، أشرنا إلى الطرف الأول ﴿وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] ، وافتح المصحف وقلب أوراقه إلى أن تأتي إلى الصفحة الأخيرة، ماذا تجد في المصحف الكريم؟ المعوذتين، تجد الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، صفة عامة، ولكن (فلق) هنا تأتي على جميع الخلق، فلق الرحم عن الجنين، فلق الحبة عن النبات، فلق الليل عن الفجر، فلق وفلق إلى كل ما تتصور في مخيلتك. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٢-٥] ، فجيء بصفة واحدة أمام أربعة مضار ومفاسد يتعوذ منها. الأولى: العامة: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] ، حتى قال ابن عباس: المعاصي مما خلق، كأنك تستعيذ بالله أن تقع في معصية، (وغاسق إذا وقب) قال: القمر إذا غاب؛ لأنه وقت اتخاذ السحرة السحر لظلام الليل، (نفاثات) أي: سحرة، (حاسد إذا حسد) وكل ذلك من أضرار البدن المادية. تجد السورة الأخيرة التي ختم بها المصحف الشريف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] هناك: (رب الفلق * من شر) ، وذكر أربع شرور يستعاذ منها، وهنا ثلاث صفات (رب ملك إله) ويقول العلماء: هذه صفات العظمة لله سبحانه؛ لأنها جامعة، الرب رب العالمين، والربوبية قاعدة توحيد الألوهية؛ لأنه يُستدل بفعل الرب لعباده على استحقاقه لإفراده بالعبادة، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣-٤] ، اعبدوه مقابل ما أطعمكم وآمنكم، وهكذا كثير من نصوص القرآن الكريم تسير على ذلك النمط. فنجد هنا (رب الناس) ، والرب هو الخالق المربي، أي: خلق الخلق ورباهم على نعمه ورزقهم. (ملك الناس) ، والملك هنا كامل؛ لأنه ملك قدرة وسلطان، لا ملك سياسة وإدارة كملوك الأرض وملوك الدنيا؛ لأن هنا الملك بالفعل والقدرة والسلطان، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٤٩] . هذه حقيقة الملك، ولا تكون إلا لله، يهب أو يجعل. أي: إرادة فعالة بقدرة قادرة. ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢-٣] أي: معبودهم ومألوههم، وهذه الثلاث كلها صفات العظمة لرب العالمين. تأتي تلك الصفات الثلاث أمام شر واحد، والمستعاذ منه شيء واحد، بينما سورة الفلق المستعاذ به صفة واحدة والمستعاذ منه أربع صفات، أربع مفاسد تستعيذ منها بصفة واحدة لله، وهنا ثلاث صفات العظمة لله تستعيذ بها جميعها من خصلة واحدة وهي أخطر ما تكون على الإنسان في دنياه وآخرته. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] ؛ لأنه بالوسوسة في الصدر يكون الشك، وبالشك يكون الريب، وإذا شك الإنسان وارتاب في شيء لم يتم مشروعاً في حياته قط، تريد أن تبني بيتاً لكن ترددت: فيما بعد أبني هنا لا أعمل كذا، وهكذا ما دمت بين كفتي الشك والتردد ولم تستقر كفة اليقين عندك، وهكذا في أمور الدنيا والدين. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٤-٥] أي: بما يبعدهم عن الله سبحانه، أو يضعف يقينهم فيما عند الله. ولهذا دليل لما جاء في أحداث التبشير، ومنذ حوالي أربعين سنة كتب الدكتور عمر فروخ ممن يعالج هذه القضية -التبشير والإسلام- وعقد مؤتمر المبشرين في بلد من البلاد العربية، واجتمع المستشرقون جميعاً في المنطقة، ثم عابوا على رئيس المؤتمر بأن جهودنا ضائعة، قال: لماذا؟ قالوا: لأننا زهاء أربعين سنة -هم يقولون ذلك من أربعين سنة، يعني: من ثمانين سنة من الآن- لم ننصر مسلماً، ماذا قال رئيس المؤتمر ورئيس المبشرين؟!! قال: لا، لا تتعجلوا، نحن لا نريد أن ننصر مسلماً، ولكن إذا استطعتم في هذه المدة أن تشككوا المسلمين في دينهم فقد نجحتم.

Reading tools

Cite this page

This book has no printed page numbers; these are Shamela's own.

Shamela
«تفسير سورة الحجرات» (١٠/ ٩ بترقيم الشاملة آليا)
Short
عطية سالم، تفسير سورة الحجرات، ج ١٠، ص ٩.
Full
عطية سالم (ت ١٤٢٠هـ). تفسير سورة الحجرات. ١٤٢٠هـ، ج ١٠، ص ٩، بترقيم الشاملة آليا.

Go to a printed page