دروس للشيخ مصطفى العدوي
طلب يوسف من إخوته المجيء بأخيه الشقيق
قال تعالى: ﴿جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٨ - ٥٩]، يقول أهل العلم من المفسرين: إن هذا الأخ هو (بنيامين)، أما سنة النبي ﷺ فلم يرد فيها تسمية لهذا الأخ، إلا أن جمهور المفسرين على أن هذا الأخ هو (بنيامين).
قال يوسف لإخوته: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف:٥٩] هو شقيق يوسف ﷺ، ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٥٩ - ٦٠]، يقول أهل العلم في ذلك: إنه يستحب للقائم على الأمور أن يستعمل الشدة في محلها، وأن يستعمل اللين في محله كذلك، وقد جمع يوسف ﷺ بين هذا وذاك في قوله: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩]، ثم عرج على الشدة ولوح بالتهديد في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠]، ونحو ذلك وارد في قول ذي القرنين إذ قال الله له: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٨]، فاللين وإن كان أفضل لقول النبي ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، ولقول الرسول ﷺ كذلك: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق)، لكن إن احتيج إلى الشدة اتجه إليها كذلك، وقد قال سليمان ﵇: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١]، فأخذ من ذلك: أن اللين له محله والشدة لها محلها كذلك.
قال يوسف ﷺ: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] أي: أنا خير من أكرم الأضياف، فإكرام الضيف خصلة يمتدح بها الشخص، وقد حث على ذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وقال ﷺ: (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه، كان له أن يأخذ منهم بقدر قراه)، وما زال الناس يذمون البخلاء، فيقول شاعرهم: رأيت الفضل متكئاً ينادي الخبز والسمك فزمجر حين أبصرني ونكس رأسه وبكى فلما أن حلفت له بأني صائم ضحك وأحسن من ذلك: قول رسول الله ﷺ: (من سيدكم يا بني عمرو بن جموح؟ قالوا: يا رسول الله! الجد بن قيس على أنّا نبخّله، فقال ﵊: وأي داء أدوأ من البخل؟) قال يوسف الصديق ﷺ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف:٦٠ - ٦١] ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ والمراودة: هي المطالبة برفق.