Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

Printed page: 83/ 9 · Part 1 of 3

Text

فرار بعض أهل البدع من تشبيه الله بخلقه حملهم على نفي الصفات بالكلية إن الدعاوى التي يطلقها أهل البدع إنما يتخذون منها متاريس يضعونها كعراقيل، والأدهى والأمر أنهم وضعوا متاريس ضخمة جداً في مقابل نصوص الوحي في العقيدة، وكلٌ منهم يطلب التنزيه، لكنهم يطلبون ما لا يدرك بالعقل، فالقمر وهو مخلوق، لو قلت لك: صف لي سطح القمر، وصف لي حجارة القمر، وصف لي جسمه، وصف لي هذه الأجرام التي تدور بسرعةٍ مذهلة، وهي تعد بالمليارات، فلن تستطيع؛ لأن العقل لا يستطيع أن يصف إلا ما وقع تحت الحواس، التي تعد البوابات للعقل، فما غاب عن أي حاسة من الحواس الخمس لا يستطيع العقل وصفه، والرسول ﵊ أشار إلى ذلك، لما ذكر الجنة فقال: (فيها ما لا عينٌ رأت -فتستطيع أن تصفه- ولا أذنٌ سمعت)، إن أكثر حاستين يعمل بهما الإنسان ويستخدمهما العقل السمع والبصر، وبعد ذلك قال لك حتى لا تبحث كثيراً: (ولا خطر على قلب بشر)، انظر إلى نفسك حين تجلس للتأمل وتطلق العنان لخيالك فإنك لا تستطيع أن تصف ما في الجنة وهي مخلوقة، فهل تستطيع أن تصف الله؟!! فأهل البدع وقعوا في هذا الأمر فقالوا: نحن نطلب تنزيه الله ﷿ عن النقص، وإذا قرأت عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، قال لك: لو كان لله يد لكانت مثل أيدينا، والله ليس كمثله أحد، إذاً ليس له يد، وأنا أنزه الله، فتقول له: ثبت أن الله له يد، فيقول: أنت مجسم، وأنت ضال؛ لأنك تثبت لله يداً، ومعنى أن له يداً أنك تشبه الله بخلقه، فأنا أولى بالحق منك؛ لأنني منزهٌ وأنت مجسم. فإن قلنا له: إذا كان مطلبك إثبات التنزيه لله فما هو رأيك في الصحابة؟ ترى أنهم ماتوا وقد نزهوا الله، أو ضلوا عن التنزيه؟ فليس له عندها إلا أن يقول: إنهم نزهوا الله، فتقول: هلم ننظر إلى سيرتهم، وإلى فهمهم فما ثبت عنهم نعض عليه بالنواجذ، وما لم يثبت عنهم نرميه في البحر. وأي طالب للحق لن يرد هذا الكلام، ولا يتصور أن الصحابة الذين نقلوا لنا الدين ماتوا على ضلال ولم يعرفوا الله، والمتصور أن هؤلاء الذين نقلوا لنا هذه الأدلة التي نحتج بها الآن هم أفهم لها منا، أو على الأقل فهمهم كفهمنا فلماذا، لا نطلب طريقة هؤلاء الصحابة؟!! وقد رد ابن قتيبة ﵀ على هؤلاء برد جميل، يقول: أنتم نفيتم أن لله يداً، فما هي اليد عندكم؟ يقولون: اليد بمعنى النعمة، كما تقول: فلانٌ له عليَّ يدٌ وله عليَّ أيادٍ، فلان صاحب الأيادي البيضاء، ففلان له عليَّ يد أي: ليس بمعنى أنه يضع يده عليَّ، بل هي بمعنى: له عليَّ نعمة وجميل. فـ ابن قتيبة ﵀ رد عليهم بقوله: اليد التي هي بمعنى النعمة، تفرد في كلام العرب وتجمع، إلا أنها لا تثنى، فتقول: فلانٌ له عليَّ يد (بالمفرد) وله عليَّ أيادٍ (بالجمع)، ولا تقول فلانٌ له عليَّ يدان (بالمثنى). وقد جاء في كتاب الله قوله ﷿: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ﴾ [المائدة:٦٤] فجاءت بالمثنى فدل على أن المقصود هنا اليد على الحقيقة، وليس المقصود بها النعمة، ولا المقصود بها القوة، كما في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فهذا يكون بمعنى التأييد والقوة والعون وغيرها من هذه الأشياء. فنقول: هل يضر ونحن نسلم أن الله ﷿ ليس كمثله شيء أن يكون له يدٌ ليس كمثلها شيء؟

Reading tools

Cite this page

This book has no printed page numbers; these are Shamela's own.

Shamela
«دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني» (٨٣/ ٩ بترقيم الشاملة آليا)
Short
أبو إسحق الحويني، دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني، ج ٨٣، ص ٩.
Full
أبو إسحق الحويني (ت ١٤٤٦هـ). دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني. ١٤٤٦هـ، ج ٨٣، ص ٩، بترقيم الشاملة آليا.

Go to a printed page