دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Text
اعتماد أهل البدع منهج التشنيع على المحدثين للطعن في منهج أهل السنة
السلفيون لهم مِنَّة في أعناق جميع المسلمين؛ لأنهم أصحاب المواجهة ضد الثنتين والسبعين فرقة، في اثنتين وسبعين جبهة مفتوحة ضد الطائفة المنصورة، صاحبة الطريق الوحيد، وقد ظهر ذلك في حياة الإمام أحمد بن حنبل، وفي حياة شيخ الإسلام ابن تيمية.
لذلك فالتشغيب قائم على قدمٍ وساق ضد هذه الطائفة؛ لأنهم هم الذين يفضحون هؤلاء المبتدعة، ويغزونهم في عقر دارهم، ولا يجد المعتزلة لها عدواً مثل السلفيين، ولا يجد الأشاعرة لهم عدواً مثل السلفيين؛ لأن من عادة أهل البدع أنهم يداهنون أهل الباطل؛ ليسلكوا مذهبهم، لا مانع عند المبتدع أن يرى الرجل على طامة من الطامات فيدعه، يقول لك: دعه يهلك، المهم أننا نتخذه جسراً ونمر عليه.
أما أصحاب الطريق الواحد؛ الطريق الوحيد الذي تكلمنا عليه: (ما أنا عليه وأصحابي)، يرى أن هذا من الغش، لذلك فإن لهم في كل وادٍ معركة، وشيخ الإسلام ابن تيمية حامل لواء الدعوة السلفية المباركة في القرن الثامن الهجري، كتبه كلها عبارة عن جولات حربية مع المخالفين في الأصول وفي مسائل الإيمان، وفي التوحيد، والأسماء والصفات، بل وحتى مع المخالفين في المسائل الفقهية الجزئية مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحدود والديات وغيرها.
كل هذا سببه ماذا؟ أننا نستقي من الوحي، وأن مصدر التلقي عندنا مخالف لمصدر التلقي عند المبتدعة، ومصدر الاستدلال عندنا مختلف عن مصادر الاستدلال عند المبتدعة.
نبتت نابتة في القرن الثالث الهجري في العراق أزرت على المحدثين وأظهرتهم في ثياب النقص والجهل وأنهم لا يعرفون الفقه، ولعلكم تعلمون أن الذي يغلب على طابع المحدثين هو التمذهب بمذهب السلف، وأسعد الناس بنهج هذا الطريق الوحيد هم المحدثون؛ لأن المحدث كل حياته: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، فهو مثل القطار طريقه محدد لا يستطيع أن يخرج عنه، وكلما تسأله عن مسألة يقول لك: أخبرني فلان عن فلان عن فلان، ولابد أن يصل إلى صحابي أو إلى تابعي أو يصل إلى الرسول ﵊.
وهذا المعنى الذي عبر عنه سفيان الثوري ﵀ حين قال: (الحديث درج والرأي مرج)، والمرج: مفرد مروج وهي السهول الواسعة الفيحاء، والدرج هو السُلَّم، قال: (الحديث درج والرأي مرج) أي: الحديث درج مثل سكة القطار، فإذا أردت الكلام في المسألة الفلانية لابد أن يكون عندك حديث للرسول ﷺ، أو قول لصحابي، أو قول لتابعي، أو قول لعالم، المهم لابد أن ترجع إلى أحد، أما الرأي فهو مرج حيث تعمل عقلك في المسألة حتى تصل إلى رأي، فالمرج: هو المكان الواسع الفسيح، فإذا كنت على الدرج -أي كنت على السُلَّم- فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، لأن فلتة الرِجل عن السُلِّم ثمنها غال، فما معنى ذلك؟ معناه: إذا أفلت من الدليل فإن ذلك ثمنه غال، أما إذا كنت في المرج فسر حيث شئت، فالمحدثون أشهر من مشى على هذا الطريق وأبرزهم.
فطلعت نابتة في القرن الثالث الهجري يتهمون أهل الحديث بالجمود، وأن حياة المحدث محصورة في: حدثنا وأخبرنا، لكن أول ما يأتي الفقه يسكت، وفي أحد مجالس هؤلاء قال أحدهم: مساكين أصحاب الحديث، لا يعرفون شيئاً في الفقه، قال الحسن بن عمر الهسنجاني -راوي هذه الرواية-: وكانت بي علة وكنت في أواخر الناس فزحفت إليه ثم قلت له: اختلف أصحاب النبي ﷺ في الجراحات فماذا قال علي، وماذا قال عمر، وماذا قال ابن مسعود؟ فسكت، قال له: واختلفوا في الأرش -دية الأصابع- فماذا قال عبد الله بن عمر، وماذا قال ابن مسعود، وماذا قال عثمان؟ فسكت.
فجعل يعطيه مسائل من هذا النمط، واختلفوا في كذا، فماذا قال فلان، وماذا قال علان، والرجل صامت، ثم قال له: تعيب عليهم شيئاً لا يحسنونه بزعمك، وأنت لا تعرفه؟! فحين تظهر مثل هذه النابتة، ويأتي من يتكلم في أصل الدين من أهل العلم، يقال له: أنت لا تفهم في الفقه، دع الفقه لأهله، ثم يدعوه للمناظرة ويقول: هيا بنا ندخل ميدان المبارزة، فإذا قال المحدث: قال رسول الله ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)، يرد عليه قائلاً: لا.
هذا الحديث لابد أن نفهمه على ضوء الآية، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، فالرجل حر، يدين كما يشاء، وهذا دليل من القرآن وهذا دليل من السنة وإذا حصل تعارض يقدم القرآن على السنة، وبهذا يكون قد لبس في هذه المسألة، وبجانب هذه الكلمتين يرفع صوته بالصياح، ولا يترك لك مجالاً للكلام، وإذا به يخرج وهو ينفض يديه قائلاً: هؤلاء لا يفهمون شيئاً، وأغلب العوام ينطبق عليهم القول القائل: (أول سارٍ غره قمر) فالعوام لا تحقيق عندهم، ولا يسمعون إلا للصوت المرتفع، فهذه طبيعة عند العوام، ويظل ذاك الداعية الناصح يحاول عرض بضاعته في أي مكان، إلا أنه يلقى صدوداً من الناس، لماذا؟ لأنه لم يفهم شيئاً في الفقه -بزعمهم-.
فهذه من الأشياء التي تترس بها أهل البدع ضد ضربات أهل الحق، ولذلك لابد لصاحب الحق أن يكون طويل النفس.