دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
هل للعباد حق على الله ﷿
؟
هناك إشكال قائم بين أهل السنة والمعتزلة في: هل للعباد حق على الله ﷿ أم لا؟ فالمعتزلة يقولون: يجب على الله ﷿ أن يفعل الأصلح لعباده، وهل لأحد على الله حق؟! لا والله، ما لهم عليه حق، أنشأهم من العدم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، ووافاهم بالنعم، فأين الحق الذي لهم عليه؟ لكن النبي ﷺ قال: (يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله؟)، فأثبت للعباد حقاً هنا، فلربما قال قائل: فهذا إثبات لحق العباد على الله، فنقول: لا، إنه صار حقاً لهم لأنه وعدهم، وهو لا يخلف الميعاد؛ لا لأن لهم ما يستحقون به ذلك الحق من ذات أنفسهم، لكنه سبحانه إذا أوعد فتكرماً منه لا يخلف ميعاده للعبد، كما في حديث البطاقة وغيره الذي رواه الإمام الترمذي ﵀، وهو من أرجى أحاديث أهل السنة للعصاة، قال ﷺ: (يصاح برجل على رءوس الأشهاد، وينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، وكلها ذنوب وخطايا، فيقول الله ﷿ له: عبدي! هل تنكر مما في كتابك شيئاً؟ يقول: لا يا رب.
فلما علم أنه داخل النار يقيناً، قال الله ﷿: عبدي! إنه لا يظلم عندي اليوم أحد، إن لك عندنا بطاقة، ثم يخرج بطاقة مكتوب فيها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فتوضع هذه البطاقة في الكفة الأخرى فتطيش هذه السجلات كلها، ولا يرجح باسم الله شيء).
فهذا العبد فعل ذنوباً، وقد توعد الله ﷿ العاصي بالنار، ومع ذلك أخلف الله ميعاده للعبد العاصي وأدخله الجنة، وقال ﷺ: (بينما امرأة بغي -تتاجر بعرضها- تمشي فوجدت كلباً يلهث ويلعق الثرى من العطش، فنزعت موقها -أي: خفها- ونزلت في البئر فملأته ماء، فسقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها)، وهذه امرأة بغي؛ لأن إسقاط العقوبة تكرم يناسب الله ﷿، فإذا كان يسقط العقوبة تكرماً أيرجع في الإحسان والهبة؟ والنبي ﷺ أنكر على العبد أن يرجع في الهبة، فقال ﷺ: (ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) فأنكر على العبد، وهو لا يملك شيئاً ذاتياً يفتخر به، لا موهبة ولا مالاً، أنكر عليه أن يرجع في الهبة، أيرجع فيها رب العالمين؟ لا والله.
لذلك قال الله ﷿ بعد هذه الآيات: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٠٠] هذا هو الانحياز المحمود ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]، وقال ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [القصص:٥] فمن، وقال ﷿: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.