دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
بشارة الرؤيا الصالحة
فقوله ﵊: (الرؤيا الحسنة -أو: الصالحة، أو: الصادقة- من الرجل الصالح، جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وإنما كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوة؛ لأن النبي ﷺ: أول ما بشر بالوحي بشر بالرؤيا الصادقة، كما قالت عائشة ﵁: (كان أول ما رآه النبي ﷺ -يعني من مبشرات النبوة- الرؤيا الصالحة، فكان إذا رأى رؤيا جاءت مثل فلق الصبح) لذلك صارت جزءاً من النبوة.
قوله ﵊: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)؛ فأثبت أن الرؤيا بشرى؛ لكن بعض الرؤيا لا تكون بشرى: إنما تكون نذارة لصاحبها، فهل تدخل هذه في البشرى؟ نعم.
مثل: حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين قال: (كنت شاباً عزباً، أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﵌، فكان الناس يرون رؤى، فيقصونها على النبي ﷺ، فيؤولها لهم، فقلت في نفسي ذات ليلة: لو كان فيَّ خيرٌ لرأيت رؤيا، قال: فنمت في هذه الليلة، فرأيت -لكن يا لهول ما رأى- ملكين يجراني إلى النار، وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، فأخذاني فأوقفاني على شفيرها -أي: على حافتي النار- فإذا فيها أناسٌ معلقون من أرجلهم عرفتهم، وإذا ملكٌ أخذني منهم، وقال لي: لم ترع، أي لا تخاف، فاستيقظتُ وأنا أقول: أعوذ بالله من النار)، وكأنما هاب أن يقصها على النبي ﵊، فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂، فقصتها على النبي ﷺ، فقال ﵊: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وفي الرواية الأخرى قال: (عبد الله رجلٌ صالح لو كان يقوم الليل)، قال راوي هذا الحديث، سالم ابنه: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا.
فهذه الرؤيا وإن كان ظاهرها مفزعاً كما أفزعت ابن عمر ﵄، إلا أنها كانت من أوائل المبشرات؛ إذ دله النبي ﷺ على ما ينجيه من النار.
وقد يكون الإنذار من جملة البشرى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥] يبشرون الذين آمنوا، وينذرون الذين كفروا، فإن الكافر إذا أنذر فأسلم كانت النذارة بمنزلة البشرى للمؤمن، إذاً فالنذارة تختلف: فقد تكون نذارةً محضة أو بشارة على حسب الأثر المترتب، فرؤيا ابن عمر وإن كان ظاهرها مؤلماً إلا أن عاقبتها كانت حسنة، استفاد منها ابن عمر، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً.