أبي بكرٍ ﵁، فكان إِذا جَاءَت القضيةُ ليس عنده فيها عن النبي ﷺ أمرٌ، سأل مَنْ بحضرتِه مِن الصحابةِ عن ذلك؟ فإِنْ وَجَدَ عندهم رَجَعَ إِليه، وإِلَّا اجتهدَ في الحُكمِ، ليس عليه غيرُ ذلك.
فلمَّا ولي عمرُ ﵁، فُتِحَت الأمصارُ، وزاد تَفَرُّقُ الصحابةِ في الأقطارِ، فكانت الحكومةُ تَنْزِلُ في المدينةِ أو في غيرِها مِن البلادِ، فإِنْ كان عندَ الصحابةٍ الحاضرين لها في ذلك عن النبي ﷺ أثرٌ، حَكَمَ به، وإِلَّا اجتهدَ أميرُ تلك المدينةِ في ذلك، وقد يكونُ في تلك القضيةِ حُكمٌ عن النبي ﷺ موجودٌ عند صاحب آخر، في بلدٍ آخر، وقد حَضَرَ المدينيُّ ما لم يحْضُر المصريُّ، وحَضَرَ المصريُّ ما لم يحضُر الشاميُّ، وحَضَرَ الشاميُّ ما لم يحضر البصريُّ ... " (١).
واستمرَّ الأمرُ على حالٍ قريبةٍ مِنْ هذه زَمَنَ التابعين، فقدْ تفقّه التابعون على الصحابةِ ﵃ (٢)، كلٌّ في قُطْرِه وبلدِه، وكان التابعون لا يتعدّون في كثيرٍ مِنْ أحوالِهم فتاوى الصحابةِ ﵃ (٣)، فأَخَذَ أتباعُ المدينةِ كثيرًا مَنْ