عمدة القاري شرح صحيح البخاري
لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: (لَا يَمْنعُكِ ذالِكِ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مَا قَالَه الْكرْمَانِي: اللَّام للاختصاص يَعْنِي الْوَلَاء مُخْتَصّ بِمن أعْتقهُ وبذل المَال فِي إِعْتَاقه.
قلت: حَاصِل كَلَامه أَن من أسلم على يَده رجل لَيْسَ لَهُ وَلَاء لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِمن أعْتقهُ واختصاصه بِهِ بِاللَّامِ وَلَكِن كَون اللَّام فِيهِ للاختصاص فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون للاستحقاق، وَهِي الْوَاقِعَة بَين معنى وَذَات كاللام فِي نَحْو: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين: ١) وَاسْتِحْقَاق الْمُعْتق الْوَلَاء لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاق غَيره، وَيجوز أَن تكون للصيرورة، لِأَن صيرورة الْوَلَاء للْمُعْتق لَا تنَافِي صَيْرُورَته لغيره، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا الحَدِيث قد مر غير مرّة.
قَوْله: (تعتقها) أَصله: لِأَن تعتقها. قَوْله: (فَذكرت ذَلِك) أَي: ذكرت عَائِشَة قَوْلهم: (نبيعكها على أَن ولاءها لنا) قَوْله: (لَا يمنعك ذَلِك) أَي: قَوْلهم هَذَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يمنعنك، بنُون التوكيد.
٨٥٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْودِ عنْ عائشَةَ ﵂، قالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أهْلُها ولاءَها فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنبيِّ ﷺ فَقَالَ: (أعْتِقِيها، فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ) قَالَتْ: فاعْتَقْتُها. قالَتْ: فَدَعاها رسولُ الله ﷺ فخَيَّرَها مَنْ زَوْجِها، فقالَتْ: لَوْ أعْطانِي كَذَا وكَذَا مَا بتُّ عِنْدَهُ، فاخْتارَتْ نَفْسَها.
الْكَلَام فِي مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ قَالَ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَوَقع فِي الاستقراض: حَدثنَا مُحَمَّد، حَدثنَا جرير، وَلَيْسَ فِي الْكتاب مُحَمَّد عَن جرير سوى هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (الْوَرق) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء هُوَ الْفضة، وَالْبَاقِي ظَاهر، وَفِي بعض النّسخ فِي آخر الحَدِيث قَالَ: وَكَانَ زَوجهَا حرا.
٣٢ -
(بابُ مَا يَرِثُ النِّساءُ مِنَ الوَلاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَرث النِّسَاء من الْوَلَاء.
٩٥٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدّثنا هَمَّامٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أرَادَتْ عائِشَةُ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فقالَتْ لِلنبيِّ ﷺ: إنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الوَلاءَ! فَقَالَ النبيُّ ﷺ: (اشْتَرِيها، فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَق) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دلَالَة على أَن النِّسَاء إِذا أعتقن تسْتَحقّ الْوَلَاء وَهَمَّام بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن يحيى. والْحَدِيث كَمَا مر.
٠٦٧٦ - حدّثنا ابنُ سَلَامٍ أخبرنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيانَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ: (الوَلَاءُ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا الْآن. وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد ابْن سَلام بتَخْفِيف اللَّام على الْأَشْهر وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَالْبَاقِي ظَاهر، وَتفرد الثَّوْريّ بقوله: (وَولي النِّعْمَة) مَعْنَاهُ: لمن أعتق بعد إِعْطَاء الثّمن لِأَن ولَايَة النِّعْمَة الَّتِي تسْتَحقّ بهَا الْمِيرَاث لَا تكون إِلَّا بِالْعِتْقِ، وكل مَوضِع يكون فِيهِ: الْوَلَاء للْمُعْتق، الرجل وَالْمَرْأَة الْمُعتقَة كَذَلِك، فَإِذا أعتق رجل وَامْرَأَة عبدا ثَبت الْوَلَاء لَهما وَوَلَاء وَلَده ذكورهم وإناثهم، وَوَلَاء ولد الذُّكُور كَذَلِك.