عمدة القاري شرح صحيح البخاري
٧١ -
(بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا أولائك لَا خلاق لَهُم فِي الأخرة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة
لأيمانكم أَن تبروا وتتقوا وتصلحوا بَين النَّاس وَالله سميع عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢٢) وقوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلَا تشتروا بِعَهْد الله ثمنا قَلِيلا إِن مَا عِنْد الله خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ (النَّحْل: ٥٩) ﴿وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهذتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾ (النَّحْل: ١٩)
ترْجم البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْآيَات إِشَارَة إِلَى أَن الْيَمين الْغمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا لِأَنَّهَا لم تذكر فِيهَا، وَلذَلِك ذكر حَدِيث الْبَاب، أَعنِي: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود عقيب ذكر هَذِه الْآيَات، وَهُوَ وَجه الْمُنَاسبَة أَيْضا بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله. وَقَالَ ابْن بطال: وبهذه الْآيَات والْحَدِيث احْتج الْجُمْهُور على أَن الْغمُوس لَا كَفَّارَة فِيهَا، لِأَنَّهُ ﷺ ذكر فِي هَذِه الْيَمين الْمَقْصُود بهَا الْحِنْث والعصيان والعقوبة وَالْإِثْم وَلم يذكر فِيهَا كَفَّارَة. وَلَو كَانَت لذكرت كَمَا ذكرت فِي الْيَمين المعقودة. فَقَالَ (فليكفر عَن يَمِينه وليأت الَّذِي هُوَ خير) . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم سنة تدل على قَول من أوجب فِيهَا الْكَفَّارَة، بل هِيَ دَالَّة على قَول من لم يُوجِبهَا. قلت: هَذَا كُله حجَّة على الشَّافِعِيَّة. قَوْله: قَول الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ﴾ ... الْآيَة كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة الْآيَة بِتَمَامِهَا إِلَى قَوْله: ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْأَشْعَث بن قيس خَاصم بعض الهيود فِي أَرض فَجحد الْيَهُودِيّ فقدمه إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (أَلَك بَيِّنَة؟) قَالَ: لَا. قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: (أتحلف؟) قَالَ أَشْعَث: إِذا يحلف فَيذْهب مَالِي، وَيَجِيء الْآن هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ ابْن كثير. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ أَي: يعتاضون عَمَّا هدَاهُم الله عَلَيْهِ من اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَذكر صفته للنَّاس وَبَيَان أمره عَن أَيْمَانهم الكاذبة الْفَاجِرَة الآثمة بالأثمان القليلة وَهِي عرُوض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الفانية الزائلة. قَوْله: (أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم) فِيهَا ولاحظ لَهُم مِنْهَا. قَوْله: (وَلَا يكلمهم الله) قَالُوا: إِن كَانُوا كفَّارًا فَلَا يكلمهم الله أصلا، وَإِن كَانُوا من العصاة فَلَا يسرهم الله وَلَا يَنْفَعهُمْ. قَوْله: (وَلَا ينظر إِلَيْهِم) أَي: وَلَا يرحمهم وَلَا يعْطف عَلَيْهِم. قَوْله: (وَلَا يزكيهم) أَي: وَلَا يثني عَلَيْهِم. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة بعض الْمَالِكِيَّة على أَن الْعَهْد يَمِين وَكَذَلِكَ الْمِيثَاق وَالْكَفَالَة. قَوْله: (قَوْله ﷿: ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم﴾ ) وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله ﴿وَلَا تجْعَلُوا الله عرضه﴾ وَفِي رِوَايَة غَيره: وَقَوله جلّ ذكره. قَالَ النَّسَفِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين حلف أَن لَا يصل ابْنه عبد الرَّحْمَن حَتَّى يسلم، وَقيل: نزلت فِي عبد الله بن رَوَاحَة، ذَلِك أَنه حلف أَن لَا يدْخل على ختنه وَلَا يكلمهُ.