عمدة القاري شرح صحيح البخاري
مَالك أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار أَتَت النَّبِي ﷺ َ - مَعهَا أَوْلَادهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لأحب النَّاس إِلَيّ قَالَهَا ثَلَاث مرار) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن رَاهَوَيْه وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ يروي عَن جده أنس والْحَدِيث مضى فِي فضل الْأَنْصَار عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي النِّكَاح عَن بنْدَار عَن غنْدر قَوْله إِنَّكُم الْخطاب لجنس الْمَرْأَة وَأَوْلَادهَا يَعْنِي الْأَنْصَار قيل يلْزم من هَذَا أَن تكون الْأَنْصَار أفضل من الْمُهَاجِرين عُمُوما وَمن أبي بكر وَعمر خُصُوصا وَأجِيب بِأَنَّهُ عَام مَخْصُوص بالدلائل الخارجية المخرجة لَهُ مِنْهُ قَالُوا مَا من عَام إِلَّا وَخص أَلا وَالله بِكُل شَيْء عليم -
٤ -
(بابٌ لَا تَحلِفُوا بِآبائِكُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷺ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، مثل قَوْله: بِأبي أفعل وَلَا أفعل.
٦٤٦٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ لله بنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رَسُول الله ﷺ أدْرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وهْوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأبِيهِ، فَقَالَ: (أَلا إنَّ الله يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، مَنْ كَانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أوْ لِيَصْمُتْ) .
طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِلَفْظ: بَينا أَنا فِي ركب أَسِير فِي غزَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ، فَقلت: لَا وَأبي، فَهَتَفَ بِي رجل من خَلْفي: تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، فَالْتَفت فَإِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن عمر: فَالْتَفت فَإِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: لَو أَن أحدكُم حلف بالمسيح، والمسيح خير من آبائكم، لهلك. وَفِي رِوَايَة سعيد بن عُبَيْدَة: أَنَّهَا شرك، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُنْذر: لَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بالأوثان وَلَا تحلفُوا بِاللَّه إلَاّ وَأَنْتُم صَادِقُونَ. وروى ابْن أبي عَاصِم فِي (كتاب الْأَيْمَان) : وَالنُّذُور، وَمن حَدِيث ابْن عمر: من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك أَو كفر.
وَالْحكمَة فِي النَّهْي عَن الْحلف بِالْآبَاءِ أَنه يَقْتَضِي تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ، وَحَقِيقَة العظمة مُخْتَصَّة بِاللَّه جلت عَظمته. فَلَا يضاهي بِهِ غَيره، وَهَكَذَا حكم غير الْآبَاء من سَائِر الْأَشْيَاء، وَمَا ثَبت أَنه ﷺ قَالَ: أَفْلح وَأَبِيهِ، فَهِيَ كلمة تجْرِي على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْيَمين، وَأما قسم الله تَعَالَى بمخلوقاته نَحْو: وَالصَّافَّات، وَالطور، وَالسَّمَاء والطارق، والتين وَالزَّيْتُون، وَالْعَادِيات ... فَللَّه أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه تَنْبِيها على شرفه، أَو التَّقْدِير: وَرب الطّور. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحلف بِغَيْر الله لَا بِهَذِهِ الْأَقْسَام وَلَا بغَيْرهَا، لإِجْمَاع الْعلمَاء على أَن من وَجب لَهُ يَمِين على آخر فِي حق، فَلهُ أَن يحلف لَهُ إلَاّ بِاللَّه، وَلَو حلف لَهُ بِالنَّجْمِ وَالسَّمَاء، وَقَالَ: نَوَيْت رب ذَلِك، لم يكن عِنْدهم يَمِينا. وروى ابْن جرير عَن ابْن أبي مليكَة أَنه سمع ابْن الزبير يَقُول: سمعني عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لف بِالْكَعْبَةِ فنهاني، وَقَالَ: لَو تقدّمت إِلَيْك لعاقبتك. قَالَ قَتَادَة: وَيكرهُ الْحلف بالمصحف وبالعتق وَالطَّلَاق، وَقَالَ أَبُو عمر: الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعِتْق لَيْسَ يَمِينا عِنْد أهل التَّحْصِيل وَالنَّظَر، وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاق بِصفة، وَعتق بِصفة، وَكَلَام خرج على الاتساع وَالْمجَاز، وَلَا يَمِين فِي الْحَقِيقَة إِلَّا بِاللَّه ﷿. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاخْتلفُوا فِيمَا على من حلف بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم وَحنث، فَكَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول: عَلَيْهِ بِكُل آيَة يَمِين، وَبِه قَالَ الْحسن وَقَالَ النُّعْمَان: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: من حلف بالرحمن فَحنث إِن أَرَادَ بالرحمن الله فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين، وَإِن أَرَادَ سُورَة الرَّحْمَن فَلَا كَفَّارَة وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَرَبِيعَة: إِذا قَالَ: أشهد لَا أفعل كَذَا، ثمَّ فعل فَهُوَ يَمِين. فَإِن قَالَ: حَلَفت وَلم يحل، فَقَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ: لَزِمته يَمِين، وَقَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: هِيَ كذبة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا قَالَ عَلَيْهِ يَمِين وَلم يكن حلف فَلهَذَا بَاطِل، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: هِيَ يَمِين، فَإِن قَالَ: هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ إِن فعل كَذَا، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر: يستغر الله. وَقَالَ طَاوُوس وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي: عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق