Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب: ﴿لحوم الحمر الإنسية﴾ )

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ٢١/ ١٣١

بنُ عَمْروٍ الغِفَارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ، وَلاكِنْ أبَى ذَاكَ البَحْرُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأ: ﴿قُلْ لَا أجِدُ فِيما أُوحِي إلَيَّ مُحَرَّما﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبيد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَجَابِر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، وَالْحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الصَّحَابِيّ وَقَالَ الْكرْمَانِي: نزل الْبَصْرَة وَمَات بمرو سنة خمس وَأَرْبَعين وَقَالَ أَبُو عمر: بَعثه زِيَاد بن أُميَّة على الْبَصْرَة، واليافي أول ولَايَة زِيَاد على العراقين ثمَّ عَزله عَن الْبَصْرَة وولاه بعض أَعمال خُرَاسَان وَمَات بهَا وَقيل: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة خمسين.

والْحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن عَن حجاج عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار بِمَعْنَاهُ.

قَوْله: (يَقُول ذَاك) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (نهى عَن الْحمر الْأَهْلِيَّة) قَوْله: (وَلَكِن أَبى) ، أَي: منع ذَلِك القَوْل. قَوْله: (الْبَحْر) ، صفة لِابْنِ عَبَّاس سمي بِهِ لسعة علمه وَيُرَاد بِهِ: بَحر الْعلم وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من تَقْدِيم الصّفة على الْمَوْصُوف مُبَالغَة فِي تَعْظِيم الْمَوْصُوف. قلت: لَا تتقدم الصّفة على الْمَوْصُوف. بل قَوْله: (ابْن عَبَّاس) عطف بَيَان لقَوْله: (الْبَحْر) ويروى: الحبر، سمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يزين مَا قَالَه. قَوْله: (وَقَرَأَ) ، أَي: ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أوحى إليّ محرما﴾ الْآيَة. يَعْنِي: أَنه اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الْمحرم فِي هَذِه الْآيَة مَا ذكره الله فِيهَا فتقتصر الْحُرْمَة عَلَيْهَا وَمَا وَرَاء ذَلِك فعلى أصل الْإِبَاحَة.

وفقهاء الْأَمْصَار مجمعون على تَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة إلَاّ أَنه رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه أَبَاحَ أكلهَا، وَرُوِيَ مثله عَن عَائِشَة وَالشعْبِيّ. فَإِن قلت: قد ذكر فِي أول الْمَائِدَة تَحْرِيم المنخنقة والموقوذة وَمَا ذكر مَعَهُمَا وَهِي خَارِجَة عَن هَذِه الْآيَة. قلت: المنخنقة وَمَا ذكر مَعهَا دَاخِلَة فِي الْميتَة أَو نقُول: أَن سُورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة فَيجوز أَن لَا يكون حرم فِي ذَلِك الْوَقْت إلاّ مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة. وَسورَة الْمَائِدَة مَدَنِيَّة وَهِي آخر مَا نزل من الْقُرْآن فَإِن قلت: الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي تَحْرِيم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة أَخْبَار آحَاد وَالْعَمَل بهَا يُوجب نسخ الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَهَذَا لَا يجوز. قلت: قد خصت من هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة بِالتَّحْرِيمِ غير مَذْكُورَة فِيهَا كالنجاسات والحمر وَلحم القردة فَحِينَئِذٍ يجوز تخصيصها بأخبار الْآحَاد.

وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اخْتلف فِي تَحْرِيم الْحمر على أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: حرمت شرعا. الثَّانِي: حرمت لِأَنَّهَا كَانَت جوال الْقرى. أَي: تَأْكُل الجلة وَهِي النَّجَاسَة. وَالثَّالِث: أَنَّهَا كَانَت حمولة الْقَوْم. الرَّابِع: أَنَّهَا حرمت لِأَنَّهَا أفنيت قبل الْقِسْمَة. فَمنع النَّبِي ﷺ، عَن أكلهَا حَتَّى تقسم. قلت: ذكر الطَّحَاوِيّ هَذِه الْأَقْوَال فَأخْرج فِي القَوْل الأول: عَن اثْنَي عشر نَفرا من الصَّحَابَة فِي تَحْرِيم أكل الْحمر الْأَهْلِيَّة من غير قيد، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) وَأخرج فِي القَوْل الثَّانِي: عَن ابْن مَرْزُوق عَن وهب عَن شُعْبَة عَن الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: ذكرت لسَعِيد بن جُبَير حَدِيث ابْن أبي أوفى فِي أَمر النَّبِي ﷺ، إيَّاهُم بإكفاء الْقُدُور يَوْم خَيْبَر، فَقَالَ: إِنَّمَا نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَت تَأْكُل الْعذرَة. وَأخرج فِي القَوْل الثَّالِث: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا نهى رَسُول الله ﷺ، يَوْم خَيْبَر عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة إلَاّ من أجل أَنَّهَا ظهر وَأخرج فِي القَوْل الرَّابِع: من حَدِيث عدي بن ثَابت عَن الْبَراء أَنهم أَصَابُوا من الْفَيْء حمرا فذبحوها فَفِيهِ أَنَّهَا كَانَت نهبة وَلم تكن قسمت.

ثمَّ أجَاب عَن الْأَقْوَال الثَّلَاثَة بِحَدِيث أبي ثَعْلَبَة أَنه قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله! حَدثنِي مَا يحل لي مِمَّا يحرم عليَّ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُل الْحمار الأهلي رَوَاهُ من حَدِيث مُسلم بن مشْكم كَاتب أبي الدَّرْدَاء عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَكَانَ كَلَام النَّبِي ﷺ، جَوَابا لسؤال أبي ثَعْلَبَة إِيَّاه عَمَّا يحل لَهُ مِمَّا يحرم عَلَيْهِ، فَدلَّ ذَلِك على نَهْيه ﷺ، عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة لَا لعِلَّة بل كَانَ التَّحْرِيم فِي نَفسه مُطلقًا. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الطَّحَاوِيّ: لَوْلَا تَوَاتر الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ، بِتَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة لَكَانَ النّظر يَقْتَضِي حلهَا لِأَن كلما حرم من الأهلي الْحَيَوَان أجمع على تَحْرِيمه إِذا كَانَ وحشيا كالخنزير، وَقد أجمع على حل الْحمار الوحشي فَكَانَ النّظر يَقْتَضِي حل الْحمار الأهلي ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل. قلت: وَمَا ادَّعَاهُ من الْإِجْمَاع مَرْدُود، فَإِن كثيرا من الْحَيَوَان الأهلى مُخْتَلف فِي نَظِيره من الْحَيَوَان الوحشي كالهر. قلت: دَعْوَاهُ الرَّد عَلَيْهِ مَرْدُودَة لِأَنَّهُ فهم عكس مَا أَرَادَهُ الطَّحَاوِيّ، لِأَن مُرَاده كلما حرم من الْحَيَوَان الأهلي، أجمع على تَحْرِيمه إِذا كَانَ وحشيا. وَمثل لذَلِك بالخنزير فَإِنَّهُ مجمع على