عمدة القاري شرح صحيح البخاري
عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة.
قَوْله: (تَذَاكرنَا) لم يذكر مَا تَذَاكَرُوا بِهِ، وَبَينه فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَلَفظه: تَذَاكرنَا الشَّهْر، فَقَالَ بَعْضنَا: ثَلَاثِينَ، وَقَالَ بَعْضنَا: تسعا وَعشْرين. قَوْله: (وَنسَاء النَّبِي ﷺ الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَإِذا هُوَ ملآن) كلمة إِذا، للمفاجأة وملآن، على وزن فعلان كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول بالنُّون، وَقَالَ ابْن التِّين عِنْد أبي الْحسن ملأى، وَعند غَيره ملآن وَهُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا ملآى نعت للمؤنث. فَإِن أُرِيد الْبقْعَة فَيصح ذَلِك قَوْله: (وَهُوَ فِي غرفَة) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فِي علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَقد تكسر وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْمَكَان العالي، وَهِي الغرفة، وَقد تقدم فِيمَا مضى أَنَّهَا مشربَة. قَوْله: (فناداه) فعل ومفعول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَلم يذكر الْفَاعِل فِي النّسخ الْمَوْجُودَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم مُصَرحًا. بِأَن الَّذِي ناداه بِلَال رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَفظه: فَلم يجبهُ أحد فَانْصَرف فناداه بِلَال فَسلم ثمَّ دخل، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ هَكَذَا، وَلَكِن فَنَادَى بِلَال، بِحَذْف الْمَفْعُول. قلت: لَا خلاف فِي جَوَاز حذف الْمَفْعُول وَلَكِن لَا يجوز حذف الْفَاعِل لِأَنَّهُ ركن فِي الْكَلَام. قيل: وَالظَّاهِر أَن ذكر الْفَاعِل هُنَا سقط من النَّاسِخ. قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الْفَاعِل هُوَ النَّبِي ﷺ، لِأَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صعد إِلَى الغرفة الَّتِي فِيهَا النَّبِي ﷺ، ووقف على الْبَاب فَسلم وَلم يسمع شَيْئا، هَكَذَا ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ لما أَرَادَ الِانْصِرَاف ناداه النَّبِي ﷺ فَدخل. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يَعْفُور: فِي غرفَة لَهُ لَيْسَ عِنْده فِيهِ إلَاّ بِلَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر أَن اسْم الْغُلَام الَّذِي أذن لَهُ رَبَاح. قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن يُقَال: إِن بِلَالًا كَانَ عِنْد النَّبِي ﷺ فِي الغرفة، وَإِن رباحا كَانَ خَارج الغرفة على الْبَاب، فَلَمَّا أذن لَهُ النَّبِي ﷺ بلغه بِلَال لرباح ورباح ونادى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أطلقت نِسَاءَك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَلَكِن آلَيْت) أَي: حَلَفت، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَنه لَيْسَ المُرَاد الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ، فَافْهَم.
٣٩ -
(بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّساءِ وقَوْلهِ: ﴿واضربوهن ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من ضرب النِّسَاء، وَأَرَادَ بِهِ الضَّرْب المبرح فَإِنَّهُ يكره كَرَاهَة تَحْرِيم، وَإِنَّمَا ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿واضربوهن﴾ تَوْفِيقًا بَين الْكتاب وَالسّنة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غير مبرح﴾ بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَمَعْنَاهُ غير شَدِيد الْأَذَى، وَعَن قَتَادَة: غير شائن، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: غير مُؤثر، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: أَمر الله، ﷿، بهجر النِّسَاء فِي الْمضَاجِع وضربهن تذليلاً مِنْهُ لَهُنَّ وتصغيرا على إِيذَاء بعولتهن، وَلم يَأْمر بِشَيْء فِي كِتَابه بِالضَّرْبِ صَرِيحًا إلَاّ فِي ذَلِك وَفِي الْحُدُود الْعِظَام، فتساوى معصيتهن لِأَزْوَاجِهِنَّ بِمَعْصِيَة أهل الْكَبَائِر، وَولى الْأزْوَاج ذَلِك دون الْأَئِمَّة وَجعله لَهُم دون الْقُضَاة بِغَيْر شُهُود وَلَا بَيِّنَة ائتماناا من الله ﷿ للأزواج على النِّسَاء. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا يكره من ضرب النِّسَاء التَّعَدِّي فِيهِ والإسراف، وَقد بَين النَّبِي ﷺ ذَلِك، فَقَالَ: ضرب العَبْد من أجل الرّقّ يزِيد فَوق ضرب الْحر لتباين حاليهما، وَلِأَن ضرب النِّسَاء إِنَّمَا جَازَ من أجل امتناعها على زَوجهَا من أجل المباضعة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَاخْتلف فِي وجوب ضربهَا فِي الْخدمَة وَالْقِيَاس يُوجب أَنه إِذا جَازَ ضربهَا فِي المباضعة جَازَ فِي الْخدمَة الْوَاجِبَة للزَّوْج عَلَيْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يلْزمهَا أَن تخْدم زَوجهَا فِي شَيْء أصلا، لَا فِي عجين وَلَا فِي طبخ وَلَا كنس وَلَا غزل وَلَا غير ذَلِك، ثمَّ نقل عَن أبي ثَوْر أَنه قَالَ: عَلَيْهَا أَن تخدمه فِي كل شَيْء، وَيُمكن أَن يحْتَج لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح: أَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، شكت إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا تَجِد من الرَّحَى، وَبقول أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كنت أخدم الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا حجَّة فيهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا أَنه ﷺ أَمرهمَا، وَإِنَّمَا كَانَتَا متبرعتين.
٤٠٢٥ - حدّثنا محَمَّد بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشامٍ عَن أبيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَجْلِدْ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ ثُمَّ يُجامِعُها فِي آخر الْيَوْم.
)