عمدة القاري شرح صحيح البخاري
الْوَلِيمَة بذلك ليظْهر النِّكَاح وينتشر، فَتثبت حُقُوقه وحرمته، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بالدف وَالْكبر فِي الْوَلِيمَة لِأَنِّي أرَاهُ خَفِيفا، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِك فِي غير الْعرس، وَسُئِلَ مَالك عَن اللَّهْو يكون فِيهِ البوق؟ فَقَالَ: إِن كَانَ كَبِيرا مشتهرا، فَإِنِّي أكرهه، وَإِن كَانَ خَفِيفا فَلَا بَأْس بذلك، وَقَالَ إصبغ: وَلَا يجوز الْغناء فِي الْعرس وَلَا فِي غَيره إلَاّ مثل مَا يَقُول نسَاء الْأَنْصَار، أَو رجز خَفِيف. وَأخرج النَّسَائِيّ من طَرِيق عَامر بن سعد عَن قرظة بن كَعْب وَأبي مَسْعُود الأنصاريين، قَالَا: إِنَّه رخص لنا فِي اللَّهْو عِنْد الْعرس ... الحَدِيث، وَصَححهُ الْحَاكِم. قلت: الْكبر، بِفتْحَتَيْنِ الطبل ذُو الرأسين، وَقيل: الطِّبّ الَّذِي لَهُ وَجه وَأحد، والبوق بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره قَاف: آلَة ينْفخ فِيهَا وَيجمع على بيقان وبوقان، كَذَا قَالَ فِي الْمغرب قلت الْقيَاس: أبواق، وَسُئِلَ أَبُو يُوسُف عَن الدُّف أتكرهه فِي غير الْعرس مثل الْمَرْأَة فِي منزلهَا وَالصَّبِيّ؟ قَالَ: فَلَا أكرهه، فأنما الَّذِي يَجِيء مِنْهُ اللّعب الْفَاحِش والغناء فَإِنِّي أكرهه.
٤٦ -
(بابُ الهَدِيّةِ لِلْعَرُوسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إهداء الْهَدِيَّة للعروس صَبِيحَة لَيْلَة الدُّخُول.
٣٦١٥ - وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: عنْ أبي عُثْمانَ واسْمُهُ الجَعْدُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا فِي مَسْجَدِ بَنْي رفاعَةَ فَسمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ النبيُّ ﷺ: إذَا مَرَّ بِجَنَباتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دخلَ عَليْها فَسَلَّمَ علَيْها، ثُمَّ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ عَرُوسا بِزَيْنَبَ فقالَتْ لي أمُّ سلَيْمٍ: لَوْ أهْدَيْنا لِرَسولِ الله ﷺ، هَدِيَّةً؟ فَقُلْتُ لَهَا: إفْعَلِي، فَعَمَدَتْ إِلَيّ تَمْرٍ وسَمْنٍ وأقِطٍ فاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ فأرْسلَتْ بِها مَعِي إلَيْهِ، فانْطَلقْتُ بِها إلَيْهِ فَقَالَ لي: ضَعْهَا، ثُمَّ أمَرَنِي فَقَالَ: ادْعُ لي رِجالاً سَمَّاهُمْ وادْعُ لي مَنْ لَقِيتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أمَرَنِي فَرَجَعْتُ فإِذَا البَيْتُ غاصٌّ بأهْلِهِ، فَرأيْتُ النبيَّ ﷺ، وضَعَ يَدَيْهِ علَى تِلْكَ الحَيْسَةِ وتَكَلَّم بِها مَا شاءَ الله، ثُمَّ جعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يأكُلُونَ مِنْهُ، ويَقُولُ لهُمْ: اذْكُرُوا اسْمَ الله ولْيَأْكُلْ كلُّ رجُلٍ مِمَّا يَليهِ، قَالَ: حتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْها، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ وبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: وجَعَلْتُ أغْتَمَّ، ثُمَّ خَرَجَ النبيُّ ﷺ نحْو الحُجُرَاتِ وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ فَقُلْتُ: إنَّهُمْ قَدْ ذَهِبُوا فَرَجَعَ فَدَخَلَ البَيْتَ وأرْخَى السِّتْرَ وإنِّي لَفِي الحُجْرَةِ، وهْوَ يَقُولُ: ﴿ (٣٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا. تدْخلُوا بيُوت النَّبِي ﷺ إِلَّا أَن يُؤذن لكم إِلَّا طَعَام غير ناظرين إناه، وَلَكِن إِذا دعيتم فأدخلوا فَإِذا ذعمتم فَانْتَشرُوا. وَلَا مستأنسين لحَدِيث إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي ﷺ فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق﴾ .
قَالَ أبُو عُثْمانَ: قَالَ أنَسٌ: إنَّهُ خَدَمَ رسولَ الله ﷺ عَشْرَ سِنِينَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو أهدينا) إِلَى قَوْله: (فَانْطَلَقت بهَا إِلَيْهِ) .
وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء: الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد، سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَأَبُو عُثْمَان اسْمه الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن دِينَار الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي.
كَذَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا غير مُتَّصِل، وَوَصله مرّة بقوله: حَدثنَا الصَّلْت بن مُحَمَّد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن الْجَعْد أبي عُثْمَان وَعَن هِشَام عَن مُحَمَّد وَسنَان بن ربيعَة عَن أنس. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن الْجَعْد وَعَن غَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِإِسْنَادِهِ نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح والوليمة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: وَالتَّعْلِيق عَن إِبْرَاهِيم رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن أبي عُثْمَان بِهِ، وَقَالَ بعض من لقيناه من الشُّرَّاح: زعم أَن النَّسَائِيّ أخرجه عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله بن رَاشد عَن أَبِيه عَنهُ، وَلم أَقف على