عمدة القاري شرح صحيح البخاري
والآصالُ واحِدُها أصِيلٌ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةً وأصِيلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدون الْجَهْر من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَذكر أَن وَاحِد الآصال أصيل، كَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن فَارس الْأَصِيل: بعد الْعشَاء وَجمعه أصل وَجمع أصل وَجمع أصل آصال فَيكون الأصائل جمع الْجمع، وَقَالَ الأصال لَعَلَّه أَن يكون جمع أصيلة. قَوْله: (كَقَوْلِك بكرَة وَأَصِيلا) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْأَصِيل وَاحِد الآصال.
١ -
(بابُ قوْلِهِ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ﴾ (الْأَعْرَاف:
٣٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله ﷿: ﴿قل إِنَّمَا﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. وَاخْتلف فِي المُرَاد بالفواحش: فَمنهمْ من حملهَا على الْعُمُوم، فَعَن قَتَادَة: المُرَاد سر الْفَوَاحِش وعلانيتها، وَمِنْهُم من حملهَا على نوع خَاص، فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسا فِي السِّرّ ويستقبحونه فِي الْعَلَانِيَة فَحرم الله الزِّنَا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد: مَا ظهر نِكَاح الْأُمَّهَات وَمَا بطن الزِّنَا.
٤٦٣٧ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شعْبَةُ عنْ عَمْروِ بنِ مُرَّةَ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ قَالَ قُلْتُ أنْتَ سَمِعْتَ هاذَا مِنْ عَبْدِ الله قَالَ نَعَمْ ورَفَعَهُ قَالَ لَا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ الله فلِذالِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ ولَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله فَلِذالِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب ﴿لَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ (الْأَنْعَام: ١٥١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَالَ: قلت) ، الْقَائِل هُوَ عَمْرو بن مرّة، والمخاطب أَبُو وَائِل. قَوْله: (وَرَفعه) ، أَي: رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ.
٢ -
(بابٌ: ﴿وَلما جاءَ مُوسَى لمِياقتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَاني ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فسَوْفَ تَرَاني فَلمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوساى
صَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قَالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنا أولُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷿: ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: (الْآيَة) ، أَي: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَقد سَاق فِي بعض النّسخ بِتَمَامِهَا: (قَالَ لن تراني وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر مُوسَى صعقاً فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) . قَوْله: (لِمِيقَاتِنَا) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمِيقَات مفعال من الْوَقْت كالميعاد والميلاد انقلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قلت: أَصله: موقات، لِأَنَّهُ من الْوَقْت وَإِنَّمَا انقلبت يَاء لِأَن الْيَاء أُخْت الكسرة. قَوْله: (وَكلمَة ربه) ، حَتَّى سمع صرير الأقلام، وَكَانَ على طور سيناء وَلما ادناه ربه وناجاه اشتاق إِلَى رُؤْيَته، وَقَالَ: ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ الله ﷿: ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي: لَيْسَ لبشر أَن يُطيق النّظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا (من نظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ) ، قَالَ مُوسَى: إلهي قد سَمِعت كلامك فاشتقت إِلَى النّظر إِلَيْك فأرني أنظر إِلَيْك، فَلِأَن أنظر إِلَيْك ثمَّ أَمُوت أحب إِلَى من أَن أعيش فَلَا أَرَاك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أنظر إِلَى الْجَبَل﴾ وَهُوَ أعظم جبل بمدين يُقَال لَهُ: زبير ﴿فَإِن اسْتَقر﴾ أَي: ثَبت بمكانه ﴿فَسَوف تراني بحلى ربه﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: تجليه ظُهُور نوره، وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَعبد الله بن سَلام: مَا تجلى من عَظمَة الله إِلَّا مثل سم الْخياط، وَقَالَ السّديّ: قدر الْخِنْصر، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن أنس ﵁، عَن النَّبِي ﷺ، فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ: هَكَذَا، يَعْنِي أَنه أخرج طرف الْخِنْصر الحَدِيث، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: