عمدة القاري شرح صحيح البخاري
أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَوْله: ﴿وَمن يُوقَ نَفسه﴾ (الْحَشْر: ٩) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن غلب مَا أَمرته بِهِ نَفسه وَخَالف هَواهَا بمعونة الله وتوفيقه: ﴿فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ (الْحَشْر: ٩) . الظافرون بِمَا أَرَادوا. وقرىء: وَمن يُوقَ، بتَشْديد الْقَاف، وَأَصله من الْوِقَايَة وَهِي الْحِفْظ، وَالشح، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَقد قرىء بهَا: اللوم، وَأَن تكون النَّفس كزة حريصة على الْمَنْع، وَقيل: الشُّح وَالْبخل بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: الشُّح أَخذ المَال بِغَيْر حق، وَالْبخل الْمَنْع من المَال الْمُسْتَحق، وَقيل: الشُّح بِمَا فِي يَد الْغَيْر، وَالْبخل بِمَا فِي يَده، وَقيل: الْبَخِيل إِذا وجد شبع، والشحيح لَا يشْبع أبدا فالشح أَعم.
١١ -
(بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أقْبَلُوا مِنْ محْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله ﷺ: (اقْبَلُوا من محسن الْأَنْصَار وتجاوزوا عَن مسيئهم) ، أَي: لَا تؤاخدوه بإساءته.
٩٩٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أبُو عَلِيٍّ حدَّثنا شاذَانُ أخُو عَبْدَانَ حدَّثنا أبِي أخْبَرَنَا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ هِشَامِ بنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ مَرَّ أبُو بَكْرٍ والْعَبَّاسُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأنْصَارِ وهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا فدَخَلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ فأخْبَرَهُ بِذالِكَ قَالَ فخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وقدْ عَصَبَ علَى رأسِهِ حاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فصَعِدَ المِنْبَرَ ولَمْ يَصْعَدْهُ بعْدَ ذالِكَ اليَوْمِ فحَمِدَ الله وأثْنَى علَيْهِ ثُمَّ قالَ أُوصِيكُمْ بالأنْصَارِ فإنَّهُمْ كَرِشِي وعَيْبَتِي وقدْ قَضُوا الَّذِي علَيْهِمْ وبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فأقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. (الحَدِيث ٩٩٧٣ طرفه فِي: ١٠٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَنَّهُ عين التَّرْجَمَة وَمُحَمّد بن يحيى أَبُو عَليّ الْيَشْكُرِي الْمروزِي الصَّائِغ، بالغين الْمُعْجَمَة كَانَ أحد الْحفاظ، روى عَنهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَقَالَ: ثِقَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: مَاتَ قبل البُخَارِيّ بِأَرْبَع سِنِين. قلت: نعم، لِأَن البُخَارِيّ مَاتَ فِي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وشاذان بِالْمُعْجَمَةِ اسْمه عبد الْعَزِيز بن عُثْمَان بن جبلة وَهُوَ أَخُو عَبْدَانِ وَهُوَ أكبر من شَاذان، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَبْدَانِ، وَأدْركَ شَاذان وَلكنه روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وأبوهما عُثْمَان بن جبلة روى عَنهُ ابْنه عَبْدَانِ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وروى عَنهُ شَاذان عِنْد البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك روى عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن يحيى الْمَذْكُور فِي المناقب.
قَوْله: (وَالْعَبَّاس) ، هُوَ ابْن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ، وَكَانَ مرورهما بِمَجْلِس من مجَالِس الْأَنْصَار فِي مرض النَّبِي ﷺ. قَوْله: (وهم يَبْكُونَ) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ مَا يبكيكم؟) يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْقَائِل أَبَا بكر، وَيحْتَمل أَن يكون الْعَبَّاس، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَنه الْعَبَّاس قلت: لَا قرينَة هُنَا تدل على ذَلِك، ثمَّ قوي مَا قَالَه من أَنه الْعَبَّاس بِالْحَدِيثِ الثَّانِي الَّذِي يَأْتِي الْآن، الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: هَذَا من رِوَايَة ابْنه، يَعْنِي: ابْن عَبَّاس، فَكَأَنَّهُ سمع ذَلِك مِنْهُ. قلت: هَذَا أبعد من ذَلِك، لِأَن الْوَصِيَّة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَعم من الْوَصِيَّة الَّتِي فِي حَدِيث الْعَبَّاس، لِأَنَّهَا فِي حَدِيثه مُخْتَصَّة بالأنصار، بِخِلَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَأَيْنَ ذَا من ذَاك؟ حَتَّى يكون هَذَا دَلِيلا على أَن الْقَائِل فِي قَوْله: فَقَالَ: مَا يبكيكم، هُوَ الْعَبَّاس من غير احْتِمَال أَن يكون أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ قَوْله: (ذكرنَا مجْلِس النَّبِي ﷺ ، لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ مَعَه وَكَانَ ذَلِك فِي مرض النَّبِي ﷺ، فخافوا أَن يَمُوت من مَرضه فيفقدوا مَجْلِسه، فبكوا حزنا على فَوَات ذَلِك. قَوْله: (فَدخل على النَّبِي ﷺ أَي: فَدخل هَذَا الْقَائِل: