عمدة القاري شرح صحيح البخاري
الْحُدَيْبِيَة) ، وَهِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَكَانَت فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا خلاف، وَالْحُدَيْبِيَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة مِثَال دويهية وَهِي بِئْر على مرحلة من مَكَّة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: سميت الْحُدَيْبِيَة بشجرة حدباء كَانَت هُنَاكَ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج رَسُول الله، ﷺ فِي ذِي الْقعدَة مُعْتَمِرًا لَا يُرِيد حَربًا، وَخرج مَعَه نَاس من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن لحق بِهِ من الْعَرَب، وَكَانَ مَعَه من الْهَدْي سَبْعُونَ بَدَنَة، وَكَانُوا خمس عشرَة مائَة على مَا ذكره جَابر. وَعَن الْبَراء: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ أَربع عشرَة مائَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانُوا سَبْعمِائة، وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِك تفقهاً من تِلْقَاء نَفسه من حَيْثُ إِن الْبدن كَانَت سبعين بَدَنَة. قَوْله: (بَين يَدَيْهِ ركوة) بِفَتْح الرَّاء وَهِي: إِنَاء صَغِير من جلد يشرب مِنْهَا المَاء، وَالْجمع: ركا. قَوْله: (فجهش النَّاس) بِفَتْح الْجِيم وَالْهَاء بعْدهَا شين مُعْجمَة، وَهُوَ فعل مَاض، وَالنَّاس فَاعله، وَمَعْنَاهُ: أَسْرعُوا إِلَى أَخذ المَاء، وَالْفَاء فِي أَوله رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ الْفَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وجهش من الجهش وَهُوَ أَن يفزع الْإِنْسَان إِلَى غَيره وَيُرِيد الْبكاء، كَالصَّبِيِّ يفزع إِلَى أمه وَقد تهَيَّأ للبكاء. قَوْله: (يثور) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يفور، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء، وهما بِمَعْنى وَاحِد.
٧٧٥٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ مائَةً والحدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فنَزَحْنَاهَا حتَّى لَمْ نَتْرُكْ فيهَا قَطْرَةً فجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ علَى شَفِيرِ البِئْرِ فدَعَا بِمَاءٍ فمَضْمَضَ ومَجَّ فِي البِئْرِ فمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حتَّى رَوِينَا ورَوِيَتْ أوْ صَدَرَتْ ركابُنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَربع عشرَة مائَة) كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، لَكِن قد يسْتَعْمل بترك الْألف وَاعْتِبَار المئات أَيْضا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِوَايَة جَابر: كُنَّا خمس عشرَة مائَة، وَالْقِيَاس أَن يُقَال: ألفا وَخَمْسمِائة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه. قَالَ: قدمنَا الْحُدَيْبِيَة مَعَ رَسُول الله، ﷺ وَنحن أَربع عشرَة مائَة، وَفِي (التَّوْضِيح) فِي قَول جَابر: كُنَّا خمس عشرَة مائَة، قَالَ ابْن الْمسيب: هَذَا وهم، وَكَانُوا أَربع عشرَة مائَة، وعَلى هَذَا مَالك وَأكْثر الروَاة. وَقيل: كَانُوا ثَلَاث عشرَة مائَة، فَإِذا كَانَ أَكثر الروَاة على أَربع عشرَة مائَة يحمل قَول من يزِيد على هَذَا مائَة أَو ينقص مائَة على عدد من انْضَمَّ إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من الْعَرَب، فَمنهمْ من جعل المضافين إِلَيْهِم مائَة، وَمِنْهُم من جعل الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثَلَاث عشرَة مائَة، وَلم يعدوا المضافين إِلَيْهِم لكَوْنهم أتباعاً. قَوْله: (على شَفير الْبِئْر) أَي: حَده وطرفه. قَوْله: (وَرويت) بِكَسْر الْوَاو. قَوْله: (أَو صدرت) أَي: رجعت. قَوْله: (رِكَابنَا) بِكَسْر الرَّاء أَي: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْقَوْم.
٨٧٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِك يَقُولُ أبُو طَلْحَةَ لأِمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ضَعِيفاً أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ فهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ قالَتْ نَعَمْ فأخْرَجَتْ أقْرَاصَاً مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أخْرَجَتْ خِمَارَاً لَهَا فلَفتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي ولَا ثْتنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ ومعَهُ النَّاسُ فقُمْتُ علَيْهِمْ فَقَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ أرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ فقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعامٍ فقُلْتُ نعَمْ فقالَ رسُولُ الله ﷺ لِمَنْ معَهُ قُومُوا فانْطَلَقَ وانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ أبُو طَلْحَة يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قدْ جاءَ رسُولُ الله ﷺ بالنَّاسِ ولَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ