Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب قول الله تعالى ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ إلى قوله ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ (لقمان:

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ١٦/ ١٨

الرِّوَايَة أَن يقف على: لَا، دقيقة حَتَّى يتَبَيَّن للسامع أَن مَا بعده كَلَام مستأنمف، لِأَنَّهُ إِذا وصل بِمَا بعد: لَا يتَوَهَّم للسامع أَنه دُعَاء عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء لَهُ. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) صورته تَعْلِيق، لَكِن ادّعى بَعضهم أَنه مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (إِن سَمِعت) ، كلمة: إِن، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون كلمة نفي. أَي: وَالله مَا سَمِعت بِلَفْظ السكين إلَاّ يَوْمئِذٍ. قَوْله: (المدية) بِضَم الْمِيم، وَقيل: الْمِيم مُثَلّثَة، سمي السكين بهَا لِأَنَّهَا تقطع مدى حَيَاة الْحَيَوَان، وَسمي السكين سكيناً لِأَنَّهُ يسكن حَرَكَة الْحَيَوَان، وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث.

١٤ -

(بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لله﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لُقْمَان:

٢١ ٨١) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن أشكر لله وَمن يشْكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر فَإِن الله غَنِي حميد﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) .) ، قَوْله: (إِلَى قَوْله) أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) . وَمن قَوْله: ﴿غَنِي حميد﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فخور﴾ سِتّ آيَات. قَوْله: (الْحِكْمَة) أَي: الْعقل وَالْعلم وَالْعَمَل بِهِ والإصابة فِي الْأُمُور. قَوْله: (أَن أشكر) ، قيل: لِأَن تشكر الله، وَيجوز أَن تكون: أَن، مفسرة أَي: أشكر الله، وَالتَّقْدِير: قُلْنَا لَهُ: اشكر الله. وَقيل: بدل من الْحِكْمَة. قَوْله: (مختال) ، من الاختيال وَهُوَ أَن يرى لنَفسِهِ طولا على غَيره فيشمخ بِأَنْفِهِ. قَوْله: (فخور) ، يعدد مناقبه تطاولاً.

ولقمان بن باعور بن ناخور بن تارخ وَهُوَ آزر أَب إِبْرَاهِيم، ﵊، كَذَا قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ مقَاتل: لُقْمَان بن عنقًا بن سدون. وَيُقَال: لُقْمَان بن ثاران، حَكَاهُ السُّهيْلي عَن ابْن جرير والقعنبي، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: لُقْمَان بن عبقر بن مرْثَد بن صَادِق بن التوت من أهل أَيْلَة، ولد على عشر سِنِين خلت من أَيَّام دَاوُد، ﵊، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب، ﵊، وَقيل: ابْن خَاله، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق ثمَّ عَاشَ ألف سنة وَأدْركَ دَاوُد، ﵊، وَأخذ عَنهُ الْعلم. وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن الْمسيب: أَنه كَانَ عبدا أسود عَظِيم الشفتين مشقق الْقَدَمَيْنِ من سودان مصر ذَا مشافر، وَقَالَ الرّبيع: كَانَ عبدا نوبياً اشْتَرَاهُ رجل من بني إِسْرَائِيل بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَنصف دِينَار، وَقَالَ السُّهيْلي: كَانَ نوبياً من أَيْلَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا نجاراً، وَقيل: كَانَ خياطاً، وَقيل: كَانَ رَاعيا، وَقيل: كَانَ يحتطب لمَوْلَاهُ حزمة حطب، وَرُوِيَ أَنه كَانَ عبدا لقصاب. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ قَاضِيا لبني إِسْرَائِيل فَكَانَ يسكن ببلدة أَيْلَة ومدين، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ اسْم أمه: تارات، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَاتفقَ الْعلمَاء أَنه كَانَ حكيماً وَلم يكن نَبيا إلَاّ عِكْرِمَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِنَّه كَانَ نَبيا. قَالَ الْوَاقِدِيّ وَالسُّديّ: مَاتَ بأيلة، وَقَالَ قَتَادَة: بالرملة.

ولَا تُصَعِّرْ الإعْرَاضُ بالوَجْهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ (لُقْمَان: ٨١) . وَفسّر: تصعر، بقوله: الْإِعْرَاض بِالْوَجْهِ، وَكَأَنَّهُ جعل الْإِعْرَاض بِمَعْنى التصغير الْمُسْتَفَاد من: لَا تصعر، وَهَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أوردهُ عَنهُ الطَّبَرِيّ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أصل الصعر دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي أعناقها حَتَّى تلفت أعناقها عَن رؤوسها فَيُشبه بِهِ الرجل المعرض عَن النَّاس المتكبر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير: وَلَا تصعر، وَقِرَاءَة الْبَاقُونَ: وَلَا تصاغر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: القراءتان مشهورتان ومعناهما صَحِيح.

٨٢٤٣ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ لَ مَّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إيْمَانَهُ بِظُلْمٍ فنَزَلَتْ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لُقْمَان: ٣١) . .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تشرك بِاللَّه ... ﴾ إِلَى آخِره، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ٣١) . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، وَمر الْكَلَام فِيهِ.