عمدة القاري شرح صحيح البخاري
والشكوك. قَوْله: (مَا غبر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: مَا بَقِي، والغبور من الأضداد: الْبَقَاء والمضي، وَقَالَ قوم: الْمَاضِي غابر وَالْبَاقِي غبر، وَهُوَ هُنَا يحْتَمل الْأَمريْنِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هُوَ بالماضي هُنَا أشبه لقَوْله: مَا أذكر. قَوْله: (إلَاّ كالثغب) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَيجوز فتحهَا، وَهُوَ المَاء المستنقع فِي الْموضع المطمئن، وَالْجمع ثغاب شبه بَقَاء الدُّنْيَا بباقي غَدِير ذهب صَفوه، وَبَقِي كدره، وَإِذا كَانَ هَذَا فِي زمن ابْن مَسْعُود، وَقد مَاتَ هُوَ قبل مقتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوُجُود تِلْكَ الْفِتَن الْعَظِيمَة فَمَاذَا يكون اعْتِقَاده فِيمَا جَاءَ بعد ذَلِك، ثمَّ بعد ذَلِك وهلم جراً؟ قَالَ الْقَزاز: ثغب وثغب وَالْفَتْح أَكثر من الإسكان، وَفِي (الْمُنْتَهى) : بِالتَّحْرِيكِ أفْصح، وَهُوَ مَوضِع المَاء. وَقيل: الغدير الَّذِي يكون فِي غلظ من الأَرْض أَو فِي ظلّ جبل لَا يُصِيبهُ حر الشَّمْس فيبرد مَاؤُهُ يُرِيد عبد الله مَا ذهب من خير الدُّنْيَا وَبَقِي من شَرّ أَهلهَا، وَالْجمع ثغبان وثغبان مثل حمل وحملان، وَمن سكن قَالَ: ثغاب. وَفِي (الْمُحكم) : الثغب بَقِيَّة المَاء العذب فِي الأَرْض، وَقيل: هُوَ أخدُود يحتفره المائل من عل فَإِذا انحطت حفرت أَمْثَال الْقُبُور، والديار فيمضي السَّيْل عَنْهَا ويغادر المَاء فِيهَا فتصفقه الرّيح، فَلَيْسَ شَيْء أصغى مِنْهُ وَلَا أبرد، فَسُمي المَاء بذلك الْمَكَان، وَقيل: كل غَدِير ثغب، وَالْجمع أثغاب، وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الحَدِيث يدل على شدَّة لُزُوم النَّاس طَاعَة الإِمَام وَمن يَسْتَعْمِلهُ.
٢١١ -
(بابٌ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أوَّلَّ النَّهَارِ أخَّرَ القِتَال حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: كَانَ النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره، وَالْحكمَة فِيهِ أَن الشَّمْس إِذا زَالَت تهب ريَاح النَّصْر ويتمكن من الْقِتَال بِوَقْت الْإِبْرَاد وهبوب الرِّيَاح، لِأَن الْحَرْب كلما استحرت وحمي الْمُقَاتِلُونَ بحركتهم فِيهَا وَمَا حملوه من سِلَاحهمْ هبت أَرْوَاح الْعشي فبردت من حرهم ونشطتهم، وخففت أجسامهم بِخِلَاف اشتداد الْحر. وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن مقرن قَالَ: غزوت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ إِذا طلع الْفجْر إمسك حَتَّى تطلع الشَّمْس، فَإِذا طلعت قَاتل، فَإِذا انتصف النَّهَار أمسك حَتَّى تَزُول الشَّمْس، فَإِذا زَالَت الشَّمْس قَاتل حَتَّى الْعَصْر، ثمَّ يمسك حَتَّى يُصَلِّي الْعَصْر، ثمَّ يُقَاتل. وَكَانَ يُقَال: عِنْد ذَلِك تهيج ريَاح النَّصْر وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لجيوشهم فِي صلَاتهم، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يحب أَن ينْهض إِلَى عدوه عِنْد زَوَال الشَّمْس. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عتبَة بن غَزوَان السّلمِيّ، قَالَ: كُنَّا نشْهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ، الْقِتَال فَإِذا زَالَت الشَّمْس قَالَ لنا: إحملوا فحملنا. وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ كَانَ إِذا لم يلق الْعَدو أول النَّهَار أخر حَتَّى تهب الرِّيَاح، وَيكون عِنْد مَوَاقِيت الصَّلَاة.
٥٦٩٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ أبِي النضْرِ مَوْلى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله وكانَ كاتِبَاً لَهُ قالَ كَتَبَ إلَيْهِ عبْدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فقَرَأتُهُ أنَّ رَسُول الله، ﷺ فِي بَعْضِ أيَّامِه الَّتي لَقِيَ فِيها انْتَظَر حتَّى مالَتِ الشَّمْسِ. ثُمَّ قالَ فِي النَّاسِ قَالَ أيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ الَعدُوِّ وسَلُوا الله العَافِيَةَ فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا واْعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ أللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ ومُجْرِيَ السَّحابِ وهازِمَ الأحْزَابِ اِهْزِمْهُمْ وانْصُرْنَا علَيْهِمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انْتظر حَتَّى مَالَتْ الشَّمْس) أَي: حَتَّى زَالَت. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ ومُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره. وَهَذَا السَّنَد بِعَين هَؤُلَاءِ الرِّجَال قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الصَّبْر عِنْد الْقِتَال، مَعَ بعض الحَدِيث، وَمضى أَيْضا كَذَلِك فِي: بَاب الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَاقْتصر فِيهِ على قَوْله: وَاعْلَمُوا أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (منزل الْكتاب) أَي: يَا منزل الْقُرْآن، وَقد وَقع السجع اتِّفَاقًا من غير قصد.