Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (باب التحريض على القتال)

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ١٤/ ١٣٠

فأنْزَلَ الله ﵎ على رسولِهِ ﷺ وفَخِذُهُ علَى فَخِذِي فثَقُلَتْ علَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فأنْزَلَ الله ﷿ ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) .

(الحَدِيث طرفه فِي: ٢٩٥٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ومروان هُوَ ابْن الحكم، كَانَ أَمِير الْمَدِينَة زمن مُعَاوِيَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَمن لطائف إِسْنَاده أَن سهل بن سعد الصَّحَابِيّ يروي عَن مَرْوَان وَهُوَ تَابِعِيّ.

قَوْله: (يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَاّم أَي: يُمْلِيهَا، وَالظَّاهِر أَن ياءه منقلبة عَن إِحْدَى اللامين، قَوْله: لَو استطيع الْجِهَاد، أَصله: لَو اسْتَطَعْت، عدل إِلَى الْمُضَارع إِمَّا لقصد الِاسْتِمْرَار، أَو لغَرَض الِاسْتِمْرَار. قَوْله: (وَكَانَ رجلا أعمى) ، أَي: كَانَ ابْن أم مَكْتُوم. قَوْله: (وَفَخذه) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أَن ترضَّ) من الرضِّ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الدق الجرش. قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) ، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: كشف وأزيل، قيل: إِن جِبْرِيل، ﵊، صعد وَهَبَطَ فِي مِقْدَار ألف سنة، قبل أَن يجِف الْقَلَم، أَي: بِسَبَب أولى الضَّرَر، حَكَاهُ ابْن التِّين، قَالَ: وَهَذَا يحْتَاج أَن يكون جِبْرِيل، ﵊، يتَنَاوَل ذَلِك من السَّمَاء، وَالْأَمر كَذَلِك، لِأَن الْقُرْآن نزل جملَة وَاحِدَة لَيْلَة الْقدر إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ نزل بعد ذَلِك مُتَفَرقًا بِحَسب الْحَال.

وَفِيه: أَن من حَبسه الْعذر وَغَيره عَن الْجِهَاد وَغَيره من أَعمال الْبر مَعَ نِيَّة فِيهِ فَلهُ أجر الْمُجَاهِد وَالْعَامِل، لِأَن نَص الْآيَة على المفاضلة بَين الْمُجَاهِد والقاعد، ثمَّ اسْتثْنى من المفضولين أولي الضَّرَر، وَإِذا استثناهم مِنْهَا فقد ألحقهم بالفاضلين، وَقد بَين الشَّارِع هَذَا الْمَعْنى، فَقَالَ: إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سلكنا وَاديا أَو شعبًا إلَاّ وهم مَعنا، حَبسهم الْعذر، وَكَذَا جَاءَ فِيمَن كَانَ يعْمل، وَهُوَ صَحِيح، وَكَذَا من نَام عَن حزبه نوماً غَالِبا كتب لَهُ أجر حزبه، وَكَانَ نَومه صَدَقَة عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُسَافِر يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل فِي الْإِقَامَة، وَهَذَا معنى قَوْله ﷿: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم أجر غير ممنون﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . أَي: غير مَقْطُوع بزمانة، أَو كبرٍ أَو ضعفٍ إِذْ الْإِنْسَان يبلغ بنيته أجر الْعَامِل إِذا كَانَ لَا يَسْتَطِيع الْعَمَل الَّذِي ينويه.

٢٣ -

(بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الصَّبْر عِنْد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار.

٣٣٨٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمِ أبِي النَّضْرِ أنَّ عبدَ الله بنَ أبِي أوْفَى كتَبَ فَقَرَأْتُهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاصْبِرُوا) يَعْنِي عِنْد ملاقاة الْكفَّار، وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ الْفَزارِيّ واسْمه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَاصْبِرُوا) ، يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الصَّبْر عِنْد إِرَادَة الْقِتَال. والشروع فِيهِ، أَو الصَّبْر حَال الْمُقَاتلَة والثبات عَلَيْهِ.

(بابُ التَّحْرِيضِ علَى القِتَالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التحريض، أَي: الْحَث على الْقِتَال.

وقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ علَى القِتَالِ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) .

وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: التحريض، وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى، وأوله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا من الَّذين كفرُوا بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى أخبرنَا سُفْيَان عَن ابْن شَوْذَب عَن الشّعبِيّ عَن قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النبيِّ حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال﴾ (الْأَنْفَال: ٥٦) . أَي: حثهم عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُول الله، ﷺ يحرض على الْقِتَال عِنْد صفهم