Skip to content

عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (باب موت الفجأة البغتة)

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Printed page ٨/ ٢٢١

٥٩ -

(بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ ﷺ لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.

٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ ﷺ إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ.

(الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله ﷺ فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة