عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]
ومنها أنه وصل الإمام الكبير الفقيه قطب الدين النيسابوري (١)، وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسر به نور الدين، وأنزله بحلب بمدرسته بباب العراق، ثم أرسله إلى دمشق، فدرس بزاوية الجامع الغربية، المعروفة بالشيخ نصر المقدسى، ونزل بمدرسة الجاروق (٢)، وشرع نور الدين في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك (٣). قال أبو شامة (٤): هي العادلية (٥) الكبيرة التي عمرها بعده الملك العادل أبو بكر ابن أيوب أخو صلاح الدين.
ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٦) سير عساكره، وسار من إشبيلية إلى الغزو، فقصد بلاد الإفرنج، ونزل على مدينة رُندَة -وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها- وحصرها، فاجتمعت الفرنج على ابن ألفونش -ملك طليطلة- في جمع كثير، فلم يقدموا على لقاء المسلمين، واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الإفرنج، فعادوا إلى أشبيلية، وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ذلك يجهز العساكر، ويسيرها إلى بلاد الإفرنج في كل وقت. وكان فيها عدة وقائع وغزوات، وظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، حتى صار الفارس منهم يبرز بين الصفين، ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد (٧).